البالغة لأنه المحيط بكل شيء (لَكُمْ آياتِهِ) أي المرثية بما يفصل لكم في آياته المسموعة (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي لتكونوا على حال يرجى لكم معها التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل ؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيرا وفصلت به الآيات تفصيلا وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة الهوى إيراده مرة واحدة في الوثوق بمضمونه والركون إلى مدلوله ، وإنما كرر تنبيها على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة المخلوق ، وذلك أنهم كلما سمعوا شيئا من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع أرباب الفصاحة والبراعة فرأوه فائتا لقواهم وبعيدا من قدرهم خطر لهم السؤال عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال ، لما اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب والفهوم.
ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام بفرض القتال المكروه للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب والمناكح وما تبعها وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي أغلب صورة الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من أن تكون في الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله دليلا على آية كتب القتال المحثوث فيها على الإقدام على المكاره لجهل المخلوق بالغايات : (أَلَمْ تَرَ) وقال الحرالي : لما كان أمر الدين مقاما بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافيا ، ولما كان حظيرة الدين إنما هو الجهاد الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة وخصوصا أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص فكانت وقائعهم مثلا لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل النبي صلىاللهعليهوسلم على استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عيانا وبما ينزله من خبرهم بيانا وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه وتعالى : (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) [البقرة : ٢١١] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي صلىاللهعليهوسلم لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه (أَلَمْ تَرَ) إقبالا على النبي صلىاللهعليهوسلم وعموم المعاني ما قيل فيه (أَلَمْ تَرَوْا) [لقمان : ٢٠] إقبالا على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على مقدار الموهبة من العقل فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته هذه
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
