المحافظة مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل علما وهيئة ووقتا وإقامة بجميع ما يحصل به أصله ويتم به عمله وينتهي إليه كماله ، وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال : (عَلَى الصَّلَواتِ) فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها ، أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف التلف ، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما إدرار الأرزاق وإذلال الأعداء (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) [طه : ١٣٢] و (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة : ١٩٣] «كان النبي صلىاللهعليهوسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» (١) ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة فيه ، ويزيده وضوحا اكتناف آيتي الوفاة لهذه الآية سابقا ولا حقا. وقال الحرالي : إن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا ، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل حال دينه ، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته ، فمن حافظ على الصلوات أصلح الله حال دنياه وأخراه ، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملا إسلاميا وخشوعا وإخباتا إيمانيا ورؤية وشهودا إحسانيا فبذلك تتم المحافظة عليها ، وأول ذلك الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة وتتبع معاني الحكمة ، كما في مسح الأذنين مع الرأس ، لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد عنه عامة الخلق الغفلة ؛ ثم التزام التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب ، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثا بغير طهارة ؛ ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة ، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام ، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته ، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته ؛ ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها ؛ وإنطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص به أدنى ما يكون ثلاثا فليس في الصلاة عمل لا نطق له ؛ ولا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه ؛ فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة عليها وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها مشاق الدنيا ، وما من عامل يعمل عملا في
__________________
(١) حسن. أخرجه أبو داود ١٣١٩ وأحمد ٥ / ٣٨٨ والخطيب ٦ / ٢٧٤ والبخاري في تاريخه الكبير ١ / ١٧٢ كلهم من حديث حذيفة. سكت عليه أبو داود وقال المنذري في مختصره ١٢٧٤ : وذكر بعضهم أنه روي مرسلا ا ه. لكن له شاهد من حديث صهيب. أخرجه أحمد ٤ / ٣٣٣ وابن حبان ١٩٧٥ وإسناده صحيح.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
