كلام ظاهر في معنى يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن ، كقول المحتاج : جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم ، ويسمى التلويح أيضا ، والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم ، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية ، والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد ولا يسبق غيره عند الإطلاق (مِنْ خِطْبَةِ) وهي الخطاب في قصد التزوج. وقال الحرالي : هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم (النِّساءِ) المتوفى عنهن أزواجهن ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها.
ولما أحل له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه الحرج فيه بقوله (أَوْ أَكْنَنْتُمْ) أي أضمرتم (فِي أَنْفُسِكُمْ) من تصريح وغيره سواء كان من شهوات النفس أو لا. قال الحرالي : من الكن ـ بالفتح ـ وهو الذي من معناه الكن ـ بالكسر ـ وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء.
ولما كان لله سبحانه وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل : (عَلِمَ اللهُ) أي بما له من صفات الكمال (أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ) أي في العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم. قال الحرالي : ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص بهذه الأمة انتهى.
ولما كان التقدير : فاذكروهن ، استثنى منه قوله : (وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَ) أي في ذكركم إياهن (سِرًّا) ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر به وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال : (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا) أي في الذكر لهن (قَوْلاً مَعْرُوفاً) لا يستحيي منه عند أحد من الناس ، فآل الأمر إلى أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر وهو التعريض ؛ فنصت هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماما به لما للنفس من الداعية إليه.
ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن النكاح شديدا وكانت إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملا على التحري ومنعا من التجري فقال : (وَلا تَعْزِمُوا) أي تبتّوا أي تفعلوا فعلا بتا مقطوعا به غير متردد فيه (عُقْدَةَ النِّكاحِ) أي النكاح الذي يصير معقودا للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن العزم البتة ولذلك أسقط «على» وأوقعه على العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق بدونه فكأنه قال : ولا تعزموا على النكاح باقين عقدته ، وهو أبلغ مما لو قيل : ولا تعقدوا النكاح ، فإن النهي عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق الأولى. قال الحرالي :
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
