ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف نفسه بالعزة مبتدئا بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفا على ما تقديره : لأن الله أعزهم عليهن بحكمته : (وَاللهُ) أي الذي له كمال العظمة (عَزِيزٌ) إشارة إلى أنه أعز بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته ؛ وقال : (حَكِيمٌ) تنبيها على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة بالغة تسلية للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه.
ولما ذكر الرجعة ولم يبين لها غاية تنتهي بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال : هل هي ممتدة كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة أو منقطعة؟ فقال : (الطَّلاقُ) أي المحدث عنه وهو الذي تملك فيه الرجعة. قال الحرالي : لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة ـ انتهى. وقال تعالى : (مَرَّتانِ) دون طلقتان تنبيها ـ على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد مرة كل طلقة في مرة لا أن يجمعهما في مرة.
ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء سيصرح به في قوله في الآية الآتية (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [البقرة : ٢٣١] فقال معقبا بالفاء (فَإِمْساكٌ) أي إن راجعها في عدة الثانية. قال الحرالي : هو من المسك وهو إحاطة تحبس الشيء ، ومنه المسك ـ بالفتح ـ للجلد (بِمَعْرُوفٍ) قال الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حدا يقطع قصد الضرار ـ انتهى (أَوْ تَسْرِيحٌ) أي إن طلقها الثالثة ، ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية. قال الحرالي : سمى الثالثة تسريحا لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. وقال أيضا : هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود ، فمن أرسل البازي مثلا ليسترده فهو مطلق ، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى. ويجوز أن يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة ، ولما كان مقصود النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان الطلاق منعا للإمتاع بالنفس قال : (بِإِحْسانٍ) تعريضا بالجبر بالمال لئلا يجتمع منعان : منع النفس وذات اليد ـ أفاده الحرالي وقال : ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية ـ انتهى.
ومن ذلك بذل الصداق كاملا وأن لا يشاححها في شيء لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال.
ولما كان سبحانه وتعالى قد خيره بين شيئين : الرجعة والتسريح الموصوفين
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
