(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) أي الموضع الصالح للحراثة (أَنَّى شِئْتُمْ) أي من أين وكيف إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة. قال الثعلبي : الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث.
ولما كانت هذه أمورا خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض الورع قال : (وَقَدِّمُوا) أي أوقعوا التقديم. ولما كان السياق للجماع وهو من شهوات النفس قال مشيرا إلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي : (لِأَنْفُسِكُمْ) أي من هذا العمل وغيره من كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه وتعتقدون خيره افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلا هذا العمل عن محض الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب ، ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة (١) وصرح به الحبر ابن عباس (٢) رضي الله تعالى عنهما على ما نقل عنه.
ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من عنده شك احتيج إلى مزيد وعظ فقال : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه الملك الأعظم من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه. وزاد سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض فقال : (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل. قال الحرالي : وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى ، قال عليه الصلاة والسّلام : «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته» (٣) وقال : «لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها» (٤) فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٤١ و ٣٢٧١ و ٣٢٨٣ و ٥١٦٥ و ٦٣٨٨ و ٧٣٩٦ ومسلم ١٤٣٤ وأبو داود ٢١٦١ والترمذي ١٠٩٢ والديلمي ٥٠٩٤ كلهم من حديث ابن عباس قال : «قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لو أن أحدكم إذا أتى أهله ورواية : إذا أراد أن يأتي أهله. قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فقضي بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا» ا ه. هذا ما صحح عن النبي صلىاللهعليهوسلم في التسمية عند الجماع.
(٢) موقوف. يشير المصنف لما أخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) قال : تقول : بسم الله ا ه. وإسناده غير قوي. وذكر ابن كثير ١ / ٢٧٣ وسكت عليه. لكن ذكر قبل ذلك أن معنى الآية (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) أي من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات ا ه كلامه.
(٣) ضعيف. أخرجه أبو داود ٢١٤٧ والنسائي في الكبرى ٥ / ٩١٦٨ وابن ماجه ١٩٨٦ وأحمد ١ / ٢٠ والبيهقي ٧ / ٣٠٥ كلهم عن داود بن عبد الله الأودي عن عبد الرحمن المسلي عن الأشعث بن قيس عن عمر مرفوعا بهذا اللفظ. سكت عليه أبو داود والمنذري في مختصره. وإسناده ضعيف بسبب
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
