الحرالي (رَحْمَتَ اللهِ) أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علما منهم أن له أن يفعل ما يشاء لأنه الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين ، قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم.
ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال مشيرا إلى ذلك مبشرا بسعة الحلم في جملة حالية من واو (يَرْجُونَ) ويجوز أن يكون عطفا على ما تقديره : ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم : (وَاللهُ) أي الذي له صفات الكمال (غَفُورٌ) أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو تابوا عنه من الكبائر (رَحِيمٌ) فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال بالرضى. قال الحرالي : وفي الختم بالرحمة أبدا في خواتم الآي إشعار بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما يرحم العبد طفلا ابتداء يرحمه كهلا انتهاء ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه برحمته في ابتدائه ـ انتهى بالمعنى.
ولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقا عن العبادة لا سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع به في رأي ولا بطش ولم يكن ضروريا في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ مما هو أولى منه بالإعلام وختم الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على أن فاعل أجد الجدّ وأمهات الأطايب من الجهاد وما ذكر معه في محل الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال : هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث؟ فقال معلما بسؤالهم عنه مبينا لما اقتضاه الحال من حلمه فيبقى ما عداه على الإباحة المحضة : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت الآيات السالفة بسببها. قال الحرالي : وهو مما منه الخمر ـ بفتح الميم ـ وهو ما وارى من شجر ونحوه ، فالخمر ـ بالسكون ـ فيما يستبطن بمنزلة الخمر ـ بالفتح ـ فيما يستظهر ، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته العجماء ، وهي ما أسكر من أي شراب كان سواء فيه القليل والكثير (وَالْمَيْسِرِ) قال الحرالي : اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء وتحصيل ظفر المغالبة ـ انتهى. وقرنهما سبحانه وتعالى لتآخيهما في الضرر بالجهاد وغيره بإذهاب المال مجانا عن غير طيب نفس ما بين سبحانه وتعالى من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أسّ يتبعه كل ضرر فقال في الجواب : (قُلْ فِيهِما) أي في استعمالهما (إِثْمٌ كَبِيرٌ) لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع من الكذب والشتم وزوال العقل
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
