(إِنِ اسْتَطاعُوا) أي إلى ذلك سبيلا ، فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك ، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون ؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم ، ومن وكل إلى نفسه ضاع ؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعنا في الدين وصدا عن السبيل وشبههم التي أضلوا عليهم دينهم ولا أصل لها ، وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت النبي صلىاللهعليهوسلم فإن القتال على الدين لم ينقض إلا بعد الفروغ من أمرهم. قال الحرالي : الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه ، ثم قال : فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت ، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ) إلى آخره ؛ وهو من الرد ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق ـ انتهى. وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم ؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن الحبوط مشروط بالكفر ظاهرا باللسان وباطنا بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب ، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئنا.
ولما حماهم سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهرا إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ) أي يفعل ما يقصدونه من الردة (عَنْ دِينِهِ) وعطف على الشرط قوله : (فَيَمُتْ) أي فيتعقب ردته أنه يموت (وَهُوَ) أي والحال أنه (كافِرٌ.)
ولما أفرد الضمير على اللفظ نصا على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس ، وقرنه بفاء السبب إعلاما بأن سوء أعمالهم هو السبب في وبالهم فقال : (فَأُولئِكَ) البعداء البغضاء (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أي بطلت معانيها وبقيت صورها ؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال الحرالي : من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه (فِي الدُّنْيا) بزوال ما فيها من روح الأنس بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
