ولما كان لا يسأل عن الشيء إلّا إن كان معظما له متشوقا إلى تعجيل الإخبار به كان الأنسب للمقام والأقرّ لعيون العباد والأزجر لأهل العناد تقريب الجواب وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة إشعارا بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال : (فَإِنِّي) دون فقل إني ، فإنه لو أثبت قل ، لأوهم بعدا وليس المقام كذلك ، ولكان قوله إني ، موهما فيحتاج إلى أن يقال إن الله أو نحوه ، ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال ؛ وإذا كان هذا التلطف بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري (١) ما معناه : الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن المحيض وعن الأهلة ونحوها يجابون بالواسطة ، وأما الذين يسألون عني فإني أرفع الوسائط بيني وبينهم. وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق ما معناه : إنه سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز في العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب بخلاف الأهلة ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها ، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب. (قَرِيبٌ) فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء حسا أو معنى أي من طلبني بعقله وجدني وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في التعرف ورفعا للحرج بسر التلطف ، وإسقاط قل ، أسرع في التعرف فهو أجدر بتعظيم الواسطة لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة. قال الحرالي : بشر أهل حضرة البعد بالقرب لما رقي أهل القرب إلى الوصول بالقرب فكان المبشر واصلا وكان المتقاصر عن القرب مبشرا به ، ومعلوم أن قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة ، فالذي يمكن إلاحته من معنى القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان ذلك الخطاب منه ، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه ممن دون ربه كان بعيدا بحسب تلك الواسطة من بعد دون بعد إلى أبعد البعد ، ولذلك يعلن للنبي صلىاللهعليهوسلم إنما (عَلَيْكَ الْبَلاغُ) [الرعد : ٤٠] وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون صلىاللهعليهوسلم واسطة بين العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه ، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة قل ، في القرآن ليكون إفصاحا لسماع كلام الله سبحانه وتعالى ممن سمع كائنا من كان ، وفي إشعاره إهزاز القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم ، لأنه جعل تعالى أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم ، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج ، ففي خفي إشارته
__________________
(١) هو عبد الكريم بن هوازن أبو القاسم القشيري النيسابوري الشافعي صاحب الرسالة القشيرية وغيرها ولد سنة ٣٧٦ ومات سنة ٤٦٥.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
