ولما كان الشكر صرف ما أنعمه المنعم في طاعته وكان العمل إذا خف أقرب إلى لزوم الطاعة بلزومه ولو ثقل لأوشك أن يعصي بتركه قال : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي ولتكونوا في حالة يرجى معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية. وقال الحرالي : فيه تصنيف في الشكر نهاية كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية ، كما قال : و (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فمن صح له التقوى ابتداء صح منه الشكر انتهاء ؛ وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض زكاة الفطر عن كل صائم وعمن يطعمه الصائم ، فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه واستقبال فطره بأمر ربه وإظهار شكره بما خوله من إطعام عيلته ، فلذلك جرت فيمن يصوم وفيمن يعوله الصائم ـ انتهى.
ولما كان دعاء الصائم مجانا وكان هذا الشهر بالخصوص مظنة الإجابة للصيام ولمكان ليلة القدر وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئا لعباده للإحساس بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعد المسافة عن محالّ العبيد وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن يسأله إلا بواسطة رفع هذا الوهم بقوله : (وَإِذا) دالا بالعطف على غير مذكور أن التقدير : فإذا سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على من أطاعني ومن عصاني «وإذا». وقال الحرالي : لما أثبت الحق سبحانه وتعالى كتاب الصيام لعباده لما أرادهم له من إعلائهم إلى خبء جزائه وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله وشكر نعمته بما خولهم من عظيم فضله وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم رتبة رتبة ؛ يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : «كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يكلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا أفهم مما يقولان شيئا» (١) إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى السائلين الذين هم في رتبة حضرة بعد فيبشرون بمطالعة القرب فقال : و (إِذا) عطفا على أمور متجاوزة كأنه يقول : إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا (سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي) أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم فأخبرهم أني لست كذلك.
__________________
(١) باطل لا أصل له. أورده الإمام ابن تيمية في موضوعاته برقم : ١٦ وقال : هذا كذب ظاهر لم يقبله أحد من أهل العلم بالحديث ولا يرويه إلا جاهل ملحد ا ه.
ونقل كلامه هذا ابن عراق في تنزيه الشريعة ١ / ٤٠٧ ووافقه. وهو كما قالا. والله تعالى أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
