إعلاء نداء إبراهيم عليه الصلاة والسّلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام على حنيفيته وملته ، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاما عجيبا يليح المعنى لأهل الفهم ويفصله لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال : (أُجِيبُ) من الإجابة وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع لتمام اللقاء بالمواجهة (دَعْوَةَ الدَّاعِ) ففيه إشعار بإجابة الداعي أي للحج عند خاتمة الصوم يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة ، فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه محوا لحال البرزخ وحال الحج في كونه سفرا إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر ؛ قال : وجاء الفطر يعني بعد إكمال الصوم بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله سبحانه وتعالى إثر الخلوة في بيت الله ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج ، وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته ، فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه كما بينه صلىاللهعليهوسلم.
ولما كان كل خلق داعيا لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد إظهار الدعاء مقالا وابتهالا فقال : (إِذا دَعانِ) ليكون حاله صدقا بمطابقة حاله مقالا ، وفي قراءة الاكتفاء بكسرة (الدَّاعِ) و (دَعانِ) عن ياءيهما وقراءة تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب بحسب ما في ألسنة بعضها من التمكين وما في ألسنة بعضها من الحذف (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر : ١٧] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاما لاستغناء السيد وحاجة العبد ، فحين كان الغني مجيبا كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيبا يعني فلذلك سبب عنه قوله إشارة إلى شرط الإجابة (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه ، وجاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ـ انتهى وفيه تصرف. ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا إليه وكانت الاستجابة بالإيمان أول المراتب وأولاها وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه لا تكاد تتناهى قال مخاطبا لمن آمن وغيره : (وَلْيُؤْمِنُوا بِي) أي مطلق الإيمان أو حق الإيمان ، ثم علل ذلك بقوله : (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) أي ليكونوا على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق. قال الحرالي : والرشد حسن التصرف في الأمر حسا أو معنى في دين أو دنيا ، ومن مقتضى هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك سبيل قربه إلى ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
