الجمعة (١) ، ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت الخمسة أقرب وترا إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمسا لذلك ، ولأنه لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصا بأعظم دعائمه الصلوات الخمس ـ والله سبحانه وتعالى الموفق.
ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال : (عَلى) أي حامدين له على (ما هَداكُمْ) أي يسر لكم من شرائع هذا الدين فهيأكم للزومها ودوام التمسك بعراها ، ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد أحد من المسلمين يخل به إلا نادرا ـ والله سبحانه وتعالى الموفق. وقال الحرالي : إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة أو بآية بادية لأهل المراقبة كلّا على حكم وجده من استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه ، فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه ، كما يقول : «يدع طعامه وشرابه من أجلي» (٢) فكل عمل فعل وثبت إلّا الصوم فإنه محو وفقد ، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن ـ انتهى.
__________________
(١) يشير المصنف لما أخرجه مسلم ٢٧٨٩ وأحمد ٢ / ٣٢٧ والبيهقي ٩ / ٣ والديلمي ٢٩٢٧ كلهم من حديث أبي هريرة قال : «أخذ رسول الله صلىاللهعليهوسلم بيدي فقال : خلق الله عزوجل التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبثّ فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم عليهالسلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» ا ه هذا لفظ مسلم.
قال ابن كثير في تفسيره ١ / ٧٢ عند الآية ٢٩ البقرة : هذا حديث من غرائب صحيح مسلم وقد تكلم عليه علي المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار ، وإنما اشتبه على بعض الرواة ، فجعلوه مرفوعا ، وقد حرر ذلك البيهقي ا ه. قلت : لأن ظاهره يخالف صريح الآيات الناطقة بأن الله عزوجل خلق السموات ، والأرض ، وما بينهما في ستة أيام. والله تعالى أعلم.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ١٨٩٤ و ١٩٠٤ و ٥٩٢٧ و ٧٤٩٢ و ٧٥٣٨ ومسلم ١١٥١ ومالك ١ / ٣١٠ والطيالسي ٢٤٨٥ وأحمد ٢ / ٤٦٦. ٥٠٣ والنسائي ٤ / ١٦٤ وعبد الرزاق ٧٨٩٣ وابن أبي شيبة ٣ / ٥ وابن خزيمة ١٧٩٧ و ١٩٠٠ وابن حبان ٣٤٢٤ والبيهقي ٤ / ٣٠٤ والبغوي ١٧١٠ و ١٧١٢ من طرحه كلهم من حديث أبي هريرة : «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك إنما يذر شهوته ، وطعامه ، وشرابه من أجلي ، فالصيام لي ، وأنا أجزي به كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام ، فهو لي ، وأنا أجزي به». هذا لفظ مالك ، والبخاري في رواية.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
