ولما كانت علة التيسير المؤكد بنفي التعسير الإطاقة فكان التقدير : لتطيقوا ما أمركم به ويخف عليكم أمره ، عطف عليه قوله : (وَلِتُكْمِلُوا) من الإكمال وهو بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدر أو عد حسا أو معنى (الْعِدَّةَ) أي عدة أيام رمضان إلى رؤية الهلال إن رأيتموه وإلى انتهاء ثلاثين التي لا يمكن زيادة الشهر عليها إن غم عليكم بوجود الغمام فلم تشهدوه ، فإنه لو كلفكم أكثر منه أو كان إيجابه على كل حال كان جديرا بأن تنقصوا من أيامه إما بالذات بأن تنقصوا من عدتها أو بالوصف بأن تأكلوا في أثنائها كما تفعل النصارى ، فيؤدي ذلك إلى إعدامها أصلا ورأسا. وقال الحرالي : التقدير : لتوفوا الصوم بالرؤية ولتكملوا إن أغمي عليكم ، ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الابتداء بقوله : (شَهِدَ) وذكر الغيم في الانتهاء بالإكمال ـ انتهى. وفيه إشارة إلى احتباك ، فإن ذكر الشهود أولا يدل على عدمه ثانيا وذكر الإكمال لأجل الغمام ثانيا يدل على الصحو أولا.
ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك أجدر بتعظيمه قال : (وَلِتُكَبِّرُوا) والتكبير إشراف القدر أو المقدار حسا أو معنى ـ قاله الحرالي. وقرن به الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال : (اللهُ) أي الذي تقف الأفهام خاسئة دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ جماله لتعتقدوا عظمته بقلوبكم وتذكروها بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى بدوام الخضوع من القلوب. قال الحرالي : وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي ، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه ، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة يوم العيد ، وأعلن فيها بالتكبير وكرر لذلك ، وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جلّ من مخلوقاته ، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علنا ـ انتهى. ومن أعظم أسراره أنه لما كان العيد محل فرح وسرور وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من الشره تارة غفلة وتارة بغيا أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر من سورتها ، ولما كان للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وترا وجعل سبعا في الأولى لذلك وتذكيرا بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقا إليها لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيرا بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهما في الأيام السبع لأنه خلقهما في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
