شعبان إن كان غيم ولم يكن مريضا ولا مسافرا. قال الحرالي : وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم. وقوله : (مِنْكُمُ) خطاب الناس ومن فوقهم حين كان الصيام معليا لهم (الشَّهْرَ) هو المشهود على حد ما تقول النحاة مفعول على السعة ، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى ، ويظهر معناه قوله تعالى : (فَلْيَصُمْهُ) فجعله واقعا على الشهر لا واقعا على معنى : فيه ، حيث لم يكن : فليصم فيه ؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعا هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى ـ انتهى.
ولما نسخ بهذا ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر لئلا يظن نسخه فقال : (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً) أي سواء شهده أولا (أَوْ عَلى سَفَرٍ) أي سواء كان مريضا أو صحيحا وهو بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة (فَعِدَّةٌ) قال الحرالي : فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه : فصومه عدة ، من حيث لم يذكر في هذا الخطاب الكتب ، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه. وفي قوله : (مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر لاختصاص الوحدة بشهر رمضان ونزول قضائه منزلة الصوم الأول ، وفي عدده وفي إطلاقه إشعار بصحة وقوعه متتابعا وغير متتابع ـ انتهى. ولما رخص ذلك علل بقوله : (يُرِيدُ اللهُ) أي الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره (بِكُمُ الْيُسْرَ) أي شرع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر وبقصر الصوم على شهر (وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) في جعله عزيمة على الكل وزيادته على شهر. قال الحرالي : اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم ، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم. وقال : فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر ، وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر المفطر ، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته في البطون ، إذ لكل آية منه ظهر وبطن ، فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم «كان النبي صلىاللهعليهوسلم يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر» (١) وكان أهل القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر ـ انتهى. قال الشعبي (٢) : إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الآية.
__________________
(١) غريب هكذا. ولعله منتزع من أحاديث. فأما صومه صلىاللهعليهوسلم في السفر فقد ورد في حديث أبي الدرداء قال : «خرجنا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر ، وما فينا صائم إلا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وابن رواحة» أخرجه البخاري ١٩٤٥. وأما أمره لهم بالفطر فقد ورد في عدة أحاديث ومنها : ليس من البر الصيام في السفر. أخرجه البخاري ١٩٤٦ ومسلم ١١١٥ كلاهما من حديث جابر. وفي الباب أحاديث.
(٢) هو الإمام الكبير عامر بن شراحيل علّامة التابعين قال مكحول : ما رأيت أفقه منه. مات سنة مائة ، أو بعدها.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
