العذاب» (١) وذلك لئلا يجتمع على العبد كلفتان فيتضاعف عليه المشقة دينا ودنيا فإذا خف عنه الأمر من وجه طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني (فَعِدَّةٌ) نظمه يشعر أن المكتوب عدة (مِنْ أَيَّامٍ) أي متتابعة أو متفرقة (أُخَرَ) لانتظام مقاطع الكلام بعضها ببعض رؤوسا وأطرافا ، ففي إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر غير مكتوب الصحيح والمقيم ، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير : فأفطر ، لأن المقصد معنى الكتب ويبقى ما دون الكتب على حكم تحمله ، فكأنه يقال للمريض والمسافر : مكتوبك أياما أخر لا هذه الأيام ، فتبقى هذه الأيام خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع الصوم.
ولما كانوا قوما لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة بهم تشريفا لرسولهم صلىاللهعليهوسلم قال مخيرا في أول الأمر : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) أي الصوم ، من الطوق وهو ما يوضع في العنق حلية ، فيكون ما يستطيعه من الأفعال طوقا له في المعنى (فِدْيَةٌ طَعامُ) بالإضافة أو الفصل (مِسْكِينٍ) بالإفراد إرجاعا إلى اليوم الواحد ، وبالجمع إرجاعا إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام واحد ، وهو مد وحفنتان بالكفين هما قوت الحافن غداء وعشاء كفافا لا إقتارا ولا إسرافا ، في جملته توسعة أمر الصوم على من لا يستطيعه ممن هو لغلبة حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر فهو ممراض بالنهمة كأنها حال مرض جبل عليه الطبع ، فكان في النظر إليه توفية رحمة النظر إلى المريض والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقا وذينك غير مطيق أو غير متمكن ، وفي إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك عن غذائه فحقه أن يغذو غيره ليقوم بذل الطعام عوضا عن التماسك عن الطعام لمناسبة ما بين المعنيين لذلك ؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) أي فزاد في الفدية (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) لأنه فعل ما يدل على حبه لربه.
ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها مساق الغيبة وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه إشارة إلى خساسته تنفيرا عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذانا بما له من الشرف على ذلك كله ترغيبا فيه وحضا عليه فقال : (وَأَنْ تَصُومُوا) أيها المطيقون (خَيْرٌ لَكُمْ) من الفدية وإن زادت ، قال الحرالي : ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة ، كما أشار إليه الحديث القدسي : «وكل عمل ابن آدم له إلا
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٨٠٤ و ٣٠٠١ و ٥٤٢٩ ومسلم ١٩٢٧ وابن ماجه ٢٨٨٢ ومالك ٢ / ٩٨٠ وأحمد ٢ / ٢٣٦. ٤٤٥. ٤٩٦ كلهم من حديث أبي هريرة. وتمامه : «يمنع أحدكم نومه ، وطعامه ، وشرابه ، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه ، فليعجل إلى أهله». ونهمته : حاجته.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
