الصوم فإنه لي» (١) وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالا وإنفاقا وسيرا وأحوالا مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له ، ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له ، فالصلاة مثلا أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء والزكاة إنفاق وذلك من شأنه ، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن يعتدي عليه فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل : إني صائم ، فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه وحقيقته إذبال جسمه وإضعاف نفسه وإماتته ، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه بوجه ما ما جرى على يده خطأ من القتل ، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم فلذلك قال تعالى : «فإنه لي» (٢) حين لم يكن من جنس عمل الآدمي ، قال سبحانه وتعالى «وأنا أجزي به» (٣) ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كل ذلك في مضمون قوله (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) انتهى. وجوابه والله سبحانه وتعالى أعلم : صمتم وتطوعتم ، فإنهم إن لم يعلموا أنه خير لهم لم يفعلوا فلم يكن خيرا لهم. قال الحرالي : كان خيرا حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند بل تعاضد لما يشعر به لفظ الخير ـ انتهى. روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال : لما نزلت (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) الآية كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وفي رواية : حتى نزلت هذه الآية (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(٤) [البقرة : ١٨٥] وللبخاري عن ابن عمر (٥) عن أصحاب محمد رضي الله تعالى عنهم قالوا : أنزل (شَهْرُ رَمَضانَ) فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) فأمروا بالصوم (٦)
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٩٠٤ ومسلم ١١٥١ من وجوه وأحمد ٢ / ٢٧٣ والنسائي ٤ / ١٦٣. ١٦٤ وابن خزيمة ١٨٩٦ وابن حبان ٣٤١٦ و ٣٤٢٢ و ٣٤٢٣ كلهم من حديث أبي هريرة بزيادة : «وأنا أجزي به ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»
(٢) هو بعض المتقدم.
(٣) هو بعض المتقدم.
(٤) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٠٧ ومسلم ١١٤٥ وأبو داود ٢٣١٥ والترمذي ٧٩٨ والنسائي ٤ / ١٩٠ والدارمي ٢ / ١٥ وابن حبان ٣٤٧٨ وابن جرير ٢٧٤٧ والبيهقي ٤ / ٢٠٠ واستدركه الحاكم ١ / ٤٢٣ كلهم من حديث سلمة بن الأكوع.
(٥) صوابه. ابن أبي ليلى. كما في البخاري ٤ / ١٨٧.
(٦) صحيح. أخرجه البخاري ٤ / ١٨٧ عن ابن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم ... فذكره.
تنبيه : فهو من رواية ابن أبي ليلى كما ذكرت لا من رواية ابن عمر.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
