شاكلها فقال (يا أَيُّهَا النَّاسُ) وإن اختصرت فقل : لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين إقبال متلطف مترفق مستعطف مناديا لهم إلى تأبيد نفعهم قائلا : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي كافة. وقال الحرالي : لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات ليتم بذكر النماءين نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني ، لما بين تغذي الأبدان وقوم الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهرا وقبوله باطنا ، قال عليه الصلاة والسّلام : «لا يقبل الله عملا إلا بالورع الشافي» (١) ؛ وكما قيل : ملاك الدين الورع ، وهلاكه الترف ، ونقصه السرف ؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت ، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما فقال (يا أَيُّهَا النَّاسُ) فانتظم بخطاب قوله تعالى (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) لما بين العبادة والمأكل من الالتزام ـ انتهى.
ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفا بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحا لهم ما أنعم به عليهم (كُلُوا) ولما كان في الأرض ما لا يؤكل قال : (مِمَّا فِي الْأَرْضِ) أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية. ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال : (حَلالاً) قال الحرالي : وهو ما انتفى عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره ، والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة ، أو في نفسه كلحم الخنزير ، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به ؛ ثم أشار إلى أن ما حرم خبيث بقوله : (طَيِّباً) أي غير خبيث مستقذر ، والأصل فيه ما يستلذ ؛ ويوصف به على جهة التشبيه الطاهر لأن الجنس تكرهه النفس لقذره ، والحلال لأن الحرام يقذره العقل لزجر الشرع عنه. وقال الحرالي : الحلال مطلوب ليكتسب لا ليؤكل حتى يطيب ، والطيب ما لا منازغ فيه ـ انتهى.
__________________
ـ وخلوا عنها فالبحيرة في القول الأول : البنت وفي الثاني : الأم.
(٢) السائبة : أم البحيرة وقيل : كل ناقة كانت تسيب لنذر.
(٣) الوصيلة : الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر ، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث.
(١) لم أجده والظاهر أنه من كلام الصوفية ، والله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
