على أعمالهم ، فلم ينفعهم تألههم إياهم ، والمتبوع منهم متأله لنفسه فلم يجد عندها جزاء عمله ، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر : ٦٥] والحسرة أشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف أي يقطعه عما تحسر عليه ـ انتهى. ويدخلون بأعمالهم النار (وَما هُمْ) أي بفائت خروجهم بل هم وإن خرجوا من السعير إلى الزمهرير يعودون إليه (بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ) يوما من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على طول الآباد ومر الأحقاب ، بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم يعودوا إليها. قال الحرالي : وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما قال سبحانه وتعالى : (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها) [السجدة : ٢٠] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم ، فلم تبق لهم منّة تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) [الحجر : ٤٨] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم ، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال : أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين ـ انتهى. ولعل الآية ناظرة إلى قوله أول السورة (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَ) اليوم الآخرة (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة : ٨] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في العرب ، فصار قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ) [البقرة : ٦] شاملا للأقسام الأربعة ، ثم أتبع ذلك المنافقين من العرب ثم المنافقين والمشاققين من أهل الكتاب ثم المجاهرين من العرب فصار قسما العرب مكتنفين لقسمي أهل الكتاب إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ويقتلونهم قتل الكلاب ؛ ولما عجب سبحانه وتعالى من الضالين وبين من مآلهم ما يزجر مثله من له أدنى عقل فكانوا بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) إقبال متلطف بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيرا لهم بالنعمة وتوددا إليهم بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى غيره مما ادعوه ندا من البحيرة (١) والسائبة (٢) والوصيلة (٣) وما
__________________
(١) البحيرة : بنت السائبة وهي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث سيّبت فإذا نتجت بعد ذلك أنثى (بحرت) أي شقت أذنها وخلّيت مع أمها ، وقيل : إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها أنثى شقوا أذنها
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
