ولما كان هذا الصنف أدنى المتدينين قرن سبحانه وتعالى بإطعامهم مما في الأرض لكونهم أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة فقال : (وَلا تَتَّبِعُوا) وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على اللحاق به وأنهم غير واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته وإنما عليهم الجهد لأن مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة لا يقدرون عليها ما داموا في هذه الرتبة (خُطُواتِ) جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي (الشَّيْطانِ) أي طرقه في وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال كالسوائب وتحليل الحرام كالميتات ، فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله : (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) [النساء : ١١٩] الآية وهو من شطن إذا بعد ، وشاط إذا احترق ، فهو يبعدهم ـ كما قال الحرالي ـ عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى فيتداعى منها إلى المحرمات ـ انتهى. ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ) بتكبره على أبيكم ومكره به وسؤاله الإنظار لإضلالكم (مُبِينٌ) أي ظاهر العداوة فلا تتبعوا العدو في منابذة الولي. ثم علل إبانة عداوته والنهي عن اتباعه بقوله : (إِنَّما) فحصر لينتفي عنه الأمر بشيء فيه رشد ؛ وفي قوله : (يَأْمُرُكُمْ) كما قال الحرالي إنباء بما مكنه الله سبحانه وتعالى حتى صار أمرا (بِالسُّوءِ) وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة (وَالْفَحْشاءِ) قال الحرالي : وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع ، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث من الشرع والعقل والطبع ، بذلك يفحش الفعل (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ) الحائز أقصى مراتب العظمة (ما لا تَعْلَمُونَ) مما تستفتحون قوله في أقل الموجودات من إشراك أو ادعاء ولد أو تحليل وتحريم أو غير ذلك ، ولقد أبلغ سبحانه وتعالى في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه لطفا منه بهم ورحمة لهم بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته بما أنعم عليهم بخلقه لهم أولا وبجعله لهم ملائما ثانيا وإباحته لهم ثالثا وتحذيره لهم من العدو رابعا ـ إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن في سياق مشير إلى جميع أصناف الحلال وسبب تحليله. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال : وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله سبحانه وتعالى ومما بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه ؛ ولما كان الإنسان
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
