الحرالي ، ومعناه أنه قطع بقوة عظيمة ، ويجوز أن تكون صيغة التفعل إشارة إلى تكرر القطع في مهلة بأن يظهر لهم انقطاع الأسباب شيئا فشيئا زيادة في إيهانهم وإيلامهم وهو أنهم (بِهِمُ) أي كلهم جميع (الْأَسْبابُ) أي كلها ، وهي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا ، والسبب ما يتوصل به إلى حصول ، في الأصل الحبل ، ثم قيل لكل مقصد. قال الحرالي : وفيه إشعار بخلوّ بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله سبحانه وتعالى في دنياهم ، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم ، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم ، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها ، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة ، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد ـ انتهى.
(وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) وهم الأذناب متمنين للمحال ندما على اتباع من لا ينفع حيث لا ينفع الندم (لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً) أي رجعة إلى الدنيا. وقال الحرالي : هي رجع وعودة عند غاية فرّة ـ انتهى. ولما كانت «لو» بمعنى التمني نصب جوابها فقال فتبرأ (مِنْهُمْ) أي الرؤساء هناك ونذلهم (كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا) وأذلّونا هنا. وقال الحرالي : فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم انتفاع غير محقق ، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم ـ انتهى.
ولما كانت هذه الأشياء بعضها ثمرة أعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم قال تعالى : على طريق الاستئناف جوابا لمن يقول : لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل يرون جزاء أعمال الجوارح (كَذلِكَ) أي الأمر الفظيع المهول (يُرِيهِمُ اللهُ) الذي له القدرة التامة والعظمة الكاملة (أَعْمالَهُمْ) الخبيثة وغيرها (حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ) أي تلهفا على ما فات ، إطلاقا للمسبب على السبب وأشار بأداة الاستعلاء إلى غلبتهم وشدة هوانهم فقال : (عَلَيْهِمْ) وقال الحرالي : لما كانت عقائدهم فيهم حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في الدنيا حسرات (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) [الفرقان : ٢٣] كما كان عمل من قلبه محب ومتأله لما دون الله ، وفيه إشعار بأن عمل كل عامل مردود إنى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به خوفه ورجاؤه ، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه ، فلا يجد عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة عليه ، فأنبأ سبحانه وتعالى بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
