هو باطن النظر ، ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال (وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ) إكمالا للخطاب بظاهره ، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة ، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسما أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب ، فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله باطنا لظاهر وظاهرا لباطن في المتعاطفين جميعا في قوله (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ) انتهى أو يقال : إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن لأن القوة لله جميعا فلا مانع له من إتيانهم به ، كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ له وأنه كامل القدرة شامل العلم ، والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم المتوعد إلى كل ضرب من أنواع التوعد ، ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه عليه ، فالتقدير : لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة لرأيت أو لرأوا أمرا فظيعا هائلا شاغلا لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها وغير ذلك من الظلم ، وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله ؛ ثم أبدل من (إِذْ يَرَوْنَ) قوله : (إِذْ تَبَرَّأَ) وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد ، وهي إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك (الَّذِينَ اتُّبِعُوا) أي مع اتباع غيرهم لهم ، وهم الرؤساء (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) مع نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب عنهم. وقال الحرالي : قال ذلك إظهارا لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول لتتسق الآيات بعضها ببعض ، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها ، وتجمع الآية ما في تفصيل لاحقتها وإعلاء للخطاب بما هو المعقول علمه المتقدم إلى ما في الإيمان نبأه ليتم نور العقل الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان الذي يقع به القبول لما في الآخرة عيانه ، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي ؛ ثم قال : بذا يتبرأ المتبوع في الذكر لأنه الآخر في الكون ، فكأنه في المعنى : إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم ـ انتهى.
قال تعالى (وَرَأَوُا) أي الكل (الْعَذابَ) أي الذي لا محيص لهم عنه. وقال الحرالي : قاله ردا للإضمار على الجميع ، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة العذاب عليهم وفي حال الرؤية ، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين أخذهم به مهل يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيبا عنهم في الدنيا بما فتن بعضهم بعضا ـ انتهى. (وَتَقَطَّعَتْ) أي تكلفت وتعمدت القطع وهو بين المتصل ، أشار إليه
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
