المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال كل أمر ، فلذلك هو صلىاللهعليهوسلم قثم (١) الكون. وهو الجامع الكامل. ولذلك كان خاتما ، وكان كتابه ختما ، وبدأ المعاد من حد ظهوره ، إنه هو يبدىء ويعيد ، فاستوفى صلاح هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بداياتها وتمت عنده نهاياتها ؛ «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢) رواه أحمد عن معاذ رضي الله عنه رفعه ، وهي صلاح الدنيا والدين والمعاد التي جمعها في قوله صلىاللهعليهوسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي» (٣) وفي كل صلاح إقدام وإحجام فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا ، فلما استوفى الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فردا لا زوج له ، فتم إنزاله على سبعة أحرف.
فأدنى تلك الحروف هو حرف إصلاح الدنيا ، فلها حرفان : أحدهما حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهير منه لبعده عن تقويمها ؛ والثاني حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته لتقويمها ؛ وأصل هذين الحرفين في التوراة ، وتمامهما في القرآن.
ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد : أحدهما حرف الزجر والنهي التي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهير منه لبعده عن حسناها ، والثاني حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه بحسناها ، وقد يتضرر على ذلك حال الدنيا ، لأنه يأتي على كثير من حلالها لوجوب إيثار الآخرة لبقائها وكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها ، لكون خير الدنيا جزءا
__________________
(١) القثم : بالضم الكثير العطاء والجموع للخير القثوم : الجموع للخير واقتثمه استأصله ومالا كثيرا أخذه واجترفه وجمعه اه محيط.
وقثم له في المال إذا أعطاه قطعة جيده ، واسم الفاعل قثم اه مصباح.
(٢) حسن. أخرجه أحمد ٢ / ٣٨١ والحاكم ٢ / ٦١٣ والديلمي في الفردوس ٢٠٩٨ كلّهم من حديث أبي هريرة ولفظ أحمد «إنّما بعثت لأتمم صالح الأخلاق».
وأخرجه مالك في الموطأ ٢ / ٩٠٤ بلاغا بلفظ «بعثت لأتمم حسن الأخلاق».
وقال ابن عبد البر : هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره ا ه المقاصد ص ١٠٥ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، والصواب أنه حسن. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ح ٢٠٤ : معناه صحيح ، وقد عزاه الديلمي لأحمد عن معاذ ، وما رأيته فيه ، والذي رأيته عن أبي هريرة ا ه المقاصد الحسنة ص ١٠٥.
(٣) صحيح. أخرجه مسلم ٢٧٢٠ والديلمي في الفردوس ١٩٣٤ كلاهما من حديث أبي هريرة. بزيادة : «واجعل لي الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل لي الموت راحة لي من كل شر.»
وورد من طريق آخر عن كعب أن صهيبا حدثه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ...» أخرجه النسائي ٣ / ٧٣ وفي الكبرى ١٢٦٩ وابن خزيمة ٧٤٥ وابن حبان ٢٠٢٧.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
