(الْقِبْلَةَ) قال الحرالي : في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم ، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علما على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه ، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره ـ انتهى. وبين أنها الأولى بقوله : (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها) وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله : (إِلَّا لِنَعْلَمَ) أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها (مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) في كل ما يأمر به اتباعا دالا على تمكن إيمانه (مِمَّنْ يَنْقَلِبُ) أي يرتد فيدبر بعد إقباله متنكسا (عَلى عَقِبَيْهِ) علما متعلقا بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم ، والعقب مؤخر القدم. وقال الحرالي : لنجعل علما ظاهرا على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه ، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة ـ انتهى.
ثم بين شدتها على من أخلد إلى العادة لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال : (وَإِنْ كانَتْ) أي الجعلة (لَكَبِيرَةً) أي ثقيلة شاقة جدا لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جدا ، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال : (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) أي خلق الذي له الأمر كله الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة.
ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عزوجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال : (وَما كانَ اللهُ) الذي له الكمال المطلق (لِيُضِيعَ) قال الحرالي : مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة (إِيمانَكُمْ) أي المصرح به في قولكم : (آمَنَّا بِاللهِ) [البقرة : ٨] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم : (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) [البقرة : ١٣٩] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى ، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده.
ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال : (كانَ اللهُ) أي المحيط بجميع صفات الكمال (بِالنَّاسِ) أي الذين هم أعم من المؤمنين
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
