وقالت : من كان يقول لإبراهيم : إن سارة ترضع غلاما وتلد ابنا بعد الكبر ؛ فشب الغلام وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة ـ ثم أعاد ذكر أمر سارة بإخراج هاجر وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جدا وقال : فقال الله لإبراهيم : لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك ، فغدا إبراهيم باكرا وأخذ خبزا وإداوة من ماء فأعطاها هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت في برية بئر سبع ـ وفي نسخة بئر الحلف ، لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها ـ ونفذ الماء من الإداوة فألقت الصبي تحت شجرة من الشيح وانطلقت وجلست قبالته وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين موته ، فلما صرخ الغلام وبكى سمع الرب صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها : ما لك يا هاجر؟ لا تخافي ، لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو ، قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك ، لأني أجعله رئيسا لشعب عظيم ، فجلى الله عن بصرها فرأت بئر ماء ، فانطلقت فملأت الإدواة وسقت الغلام ، وكان الله مع الغلام فشب وسكن برية فاران وكان يتعلم الرمي في تلك البرية وزوجته أمه امرأة ـ انتهى. وفيه إن هذا الكلام في إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان إسماعيل عليهالسلام ، فإن فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة ، وهذا ظاهره أنه كان رضيعا ، وفي الحديث الصحيح «أنه وضعه عند البيت وهو يرضع» (١). ويمكن حمل هذا عليه بهذا الكلام الأخير. وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان عند الختان ببيت المقدس ، فيمكن أن إبراهيم عليهالسلام طوى له الله الأرض بالبراق أو غيره فذهب إلى مكة المشرفة فختنه ثم رجع. وفيه بشارة بنبينا محمد صلىاللهعليهوسلم أصرح مما ذكروه وهي قوله : ويتبارك بك جميع قبائل الأرض ، لأن ذلك لم يحصل بأحد من أولاد إبراهيم عليهالسلام إلا بالنبي صلىاللهعليهوسلم ، فقد أثبت البركة به صلىاللهعليهوسلم والخير في غالب قبائل الأرض ، ويكون الباقي بعد نزول عيسى عليهالسلام. وكذا قوله : ويده في جميع الناس ـ إلى آخره ، لأن إسماعيل عليهالسلام لم ينقل أحد أن يده كانت على جميع الناس ، ولا حل على جميع حدود إخوته ، ولا اتصف من أولاده أحد بهذا الوصف إلا النبي صلىاللهعليهوسلم ؛ ثم رأيت في شرح المقاصد للشيخ سعد الدين التفتازاني (٢) وشرح الصحائف للإمام السمرقندي (٣) التنبيه على هذا النص.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٦٤ والنسائي في الكبرى ٨٣٧٩ كلاهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مطوّلا ، وفيه : «ثم جاء بها إبراهيم ، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه. حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد».
(٢) هو الإمام مسعود بن عمر التفتازاني في تصانيفه شرح عقائد النسفية توفي سنة : ٧٩١.
(٣) هو الإمام علي بن يحيى السمرقندي ، من تصانيفه تفسير القرآن ، وحاشية على شرح المطالع ، توفي سنة : ٨٦٠.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
