ولما كان التقدير : فلقد آتيناه من المزايا ما قدّمنا لكم مما لا يعدل عنه ذو مسكة عطف عليه قوله : (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ) فدكره بمظهر العظمة تعظيما له ، فإن العبد يشرف بشرف سيده ، وتشريفا لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها (فِي الدُّنْيا) بما ذكرناه من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه ؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه ومكدره ، وفي صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما أشير إليه من الشرف (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من المتصفين بها ، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في الدارين ، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه ، وأشد ذم لمن خالفه ؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم وما هو سبب له ، وإقامة للحجة عليهم ، لأن أكثر ذلك معطوف على (اذْكُرُوا) قوله : (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) [البقرة : ١٢٢].
ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب اصطفائه وصلاحه وذلك دينه ، وما أوصى به عليهالسلام بنيه ، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفا لخلف ولا سيما يعقوب عليهالسلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال : (إِذْ) أي اصطفيناه بعظمتنا لأنه (قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) أي لإحسان ربك إليك ، وحذف المفعول ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره عليه وتخلى المسلم عنه (قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) أي المحسن إليّ وإلى جميع الخلائق (وَوَصَّى بِها) أي بهذه المقالة أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه الله بها ، ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم الرجوع إلى ربه ؛ وقرىء «وأوصى» فهو من إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته ، وقراءة التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر (إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) وصّى بها أيضا بنيه فقال كل منهم : (يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ) بعظمته وكماله (اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ) وهو الإسلام ، فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة منه لكم (فَلا) أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم : لا (تَمُوتُنَ) على حالة من الحالات (إِلَّا وَأَنْتُمْ) أي والحال أنكم (مُسْلِمُونَ) أي ملقون بأيديكم وجميع ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلا ولا التفات إلى غير مولاكم ، فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك. وقرر سبحانه بالآيات الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية ، وبرّأ خليله والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه.
ذكر قصة إبراهيم عليهالسلام من التوراة : ذكر في السفر الأول منها أنه إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
