ولما كان ظاهر دعوته عليهالسلام أن البعث في الأمة المسلمة كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية فإن أصلها موجود بالإسلام فأخر قوله : (وَيُزَكِّيهِمْ) أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة ، فترتقي بصفائها ، ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها ، والتزكية إكساب الزكاة ، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم ـ قاله الحرالي.
ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من العلم ، وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلا قتضاء الحال بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالا على الدنيا التي هي أم الأدناس ؛ ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) أي الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء ، لأن العزة كما قال الحرالي : الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن ، (الْحَكِيمُ) أي الذي يتيقن ما أراد فلا يتأتى نقضه ، ولا متصف بشيء من ذلك غيرك ؛ وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم وطهارة الأخلاق ، وأن ذلك لا ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر ولا تدرك أصلا إلا بجد تطهّره العزة وترتيب أبرمته الحكمة ؛ هذا لمطلق ذلك فكيف بما يصلح منه للرسالة! وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل وإن زاد عدهم وعظم جدهم. ويحكم أمورهم فلا يستطيع أحد نقض شيء منها.
ولما كان التقدير : فمن يرغب في مخالفة من يرسله من هو بهذه الصفة عطف عليه قوله : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ) المستقيم الطريقة ، الطاهر الخليقة ، الشفيق على ذريته ، الباني لهم أعظم المفاخر ، المجتهد لهم في جليل المناقب والمآثر (إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) أي امتهنها واحتقرها واستخف بها ، أي فعل بها ما أدى إلى ذلك ؛ وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب. قال الحرالي : والسفاهة خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة ، وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس ، لأن من سفهت نفسه اختص السفه بها ، ومن سفه نفسه ـ بالنصب ـ استغرقت السفاهة ذاته وكليته وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه ، يفهم ذلك نصبها ، وذلك لأن الله عزوجل جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس ، فإنه تعالى يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة ، ولا يحذى الشر إلا بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة الله على خلقه ؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة ، لأن من ألقى بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة ، فلا عذر لمن رغب عن ذلك ، لظهوره في شاهدي العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) [الأنعام : ٨٣].
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
