مما منه التصيير وهو التنقيل في أطوار وأحوال ينتهي إلى غاية تجب أن تكون غير حالة الشيء الأولى بخلاف المرجع.
ولما ذكر بما مهده من أمر البيت دينا ودنيا أتبعه ببنائه مشيرا إلى ما حباهم به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا للرسول فقال عاطفا على (إِذِ ابْتَلى) تعديدا لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافا إلى التوحيد (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ) أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع (الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) قال الحرالي : عدّد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب ، فكانت هذه في أمر إقامة دين الله ، وكانت تلك في محاولة مدافعته ، ليظهر بذلك تفاوت ما بين الاصطفاء والعناية ، والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز أن يراد بها سافات البناء ، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ـ قاله الأصبهاني.
ولما أفرد الخليل عليهالسلام بهذا الرفع إظهارا لشرفه بكونه هو السبب الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال : (وَإِسْماعِيلُ) أي يرفع القواعد أيضا ، ووصل بهذا العمل الشريف قوله : (رَبَّنا) مرادا فيه القول محذوفا منه أداة البعد : أي يقولان : (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا) أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا ، إشعارا بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه. ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله : (إِنَّكَ) وأكده بقوله : (أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي فإن كنت سمعت أو علمت منا حسنا فرده حسنا ، وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء فاغفره.
ولما سأل القبول سأل الزيادة عليه بقوله : (رَبَّنا) على ما مضى من طرز دعاء المقربين بإسقاط أداة البعد (وَاجْعَلْنا) أي أنا وابني هذا الذي أعانني (مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا) قال الحرالي : لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله : (مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [البقرة : ١٢٦] طلب التكملة بإسلام الوجه والمسألة له ولا بنه ولمن رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه ، فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر الدنيا ، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ما بيده لربه مما ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا ، ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر ليكون الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق كما قال يوسف عليهالسلام (تَوَفَّنِي مُسْلِماً) [يوسف : ١٠١] وطلب بقوله : (أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) أن يكونوا بحيث يؤم بعضهم بعضا.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
