عليهماالسلام من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتا لمن عقّه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير فقال : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِ) فأسقط أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال أهل الصفوة (اجْعَلْ هذا) أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي.
ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملا بعمومه للبادي ولذلك قرر أنه مثابة للناس عامة وأمن كان الأنسب تنكير البلد فقال : (بَلَداً) يأنس من يحل به (آمِناً) إفصاحا بما أفهمه (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) [البقرة : ١٢٥] الآية ، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه كلتيهما : في كونه بلدا فإنه إذا انقطع الناس عن أهله خرب ، وفي كونه آمنا ، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم عليهالسلام.
ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال : (وَارْزُقْ أَهْلَهُ) وقال : (مِنَ الثَّمَراتِ) ، ولم يقل : من الحبوب ، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن ، لما روى أن النبي صلىاللهعليهوسلم رأى سكة حرث فقال : «ما دخلت هذه بيتا إلا ذل» (١) وقال : (مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ) الجامع لصفات الكمال (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) تقييدا لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة تأدبا معه حيث قال : (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة : ١٢٤] (قالَ) الله تعالى معلما أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض (وَمَنْ كَفَرَ) أي أنيله أيضا ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق ، وعبر عن ذلك بقوله : (فَأُمَتِّعُهُ) تخسيسا له بما أفهمه لفظ المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي إنما هي منال المضطر على شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها ، وأكد ذلك بقوله : (قَلِيلاً) لكن فيه إيماء إلى أنه يكون أطيب حالا في الدنيا وأوسع رزقا من المؤمن ، وكذا في قوله : (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ) بما لي من العظمة الباهرة (إِلى عَذابِ النَّارِ) أي بما أستدرجه به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم ، وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار الله خلقه على ما يشاء منهم من إظهار حكمته وأن أحدا لا يقدر على حركة ولا سكون إلا بمشيئته ؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر. ولما كان التقدير : فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا ، عطف عليه قوله : (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي العذاب له في الآخرة ، وهو مفعل
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٣٢١ والديلمي في الفردوس. ٧٦٣٠ كلاهما من حديث أبي أمامة الباهلي.
ولفظ البخاري : «عن أبي أمامة الباهلي قال ورأى سكة ، وشيئا من آلة الحرث. فقال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل».
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
