وهو نمط من الخطاب علي خفي المنحى ، لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء إلا للأئمة من آل محمد صلىاللهعليهوسلم لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة وما شأنه المداولة. ومن أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي صلىاللهعليهوسلم عن لحوم الأضاحي (١) فتقبله الذين آمنوا نسخا ، وإنما كان إنساء وتأخيرا لحكم الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافّة التي كانت دفت عليهم من البوادي ، فلم يلقن ذلك عن النبي صلىاللهعليهوسلم حتى فسره فقال : «إنما نهيتكم من أجل الدافة» (٢) ، ففي متسع فقهه أن أحكاما تؤخر فتشابه النسخ من وجه ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه من حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنسء متراجعة. ومنه المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة والمهادنة عند الضعف عن المقاومة هو من أحكام المنسء ، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى مّا ثم يعود في وقت لزوال ذلك المعنى فهو من المنسء الذي أهمل علمه أكثر الناظرين وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما ؛ فبحق أن هذه الآية من جوامع آي الفرقان ، فهذا حكم النسء والإنساء وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة. قلت : وحاصله تأخير الحل كما ذكر أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى وقت آخر وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره في سورة براءة عند (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) [التوبة : ٣٧] قال : وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء وهو ما يظهره الله من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسء كالسنن التي أبداها النبي صلىاللهعليهوسلم عن تنسيته
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ١٩٧١ وأبو داود ٢٨١٢ والنسائي ٧ / ٢٣٥ والدارمي ٢ / ٧٩ ومالك ٢ / ٤٨٤ ، ٤٨٥ والبيهقي ٩ / ٢٩٣ والطحاوي ٤ / ١٨٨ وأحمد ٦ / ٥١ كلهم من حديث عائشة بألفاظ متقاربة.
ولفظ مسلم «نهى رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث قال عبد الله بن أبي بكر : فذكرت ذلك لعمرة فقالت : صدق سمعت عائشة تقول : دفّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : ادخروا ثلاثا ، ثم تصدقوا بما بقي فلما كان بعد ذلك قالوا : يا رسول الله صلىاللهعليهوسلم إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ، ويجملون منها الودك ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم وما ذاك قالوا : نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال : إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ، فكلوا ، وادخروا ، وتصدقوا».
وورد من طريق آخر أخرجه البخاري ٥٤٢٣ ، ٥٤٣٨ ، ٦٦٨٧ والنسائي ٧ / ٢٣٥ ، ٢٣٦ والبيهقي ٩ / ٢٩٢ والبغوي ١١٣٤ وأحمد ٦ / ١٢٧ ، ١٢٨ ، ١٨٧ كلهم من طريق عبد الرحمن بن عابس عن أبيه قال : «قلت لعائشة : أنهى النبي صلىاللهعليهوسلم أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت : ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه ، فأراد أن يطعم الغني الفقير ، وإن كنا لنرفع الكراع ، فنأكله بعد خمس عشرة قيل : ما اضطركم إليه؟ فضحكت قالت : ما شبع آل محمد صلىاللهعليهوسلم من خبز برّ ثلاثة أيام حتى لحق بالله» هذا لفظ البخاري.
(٢) تقدم في الحديث الذي قبله.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
