ولما كان هذا الذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه فضره أكبر من نفعه اتبعه قسما آخر ليس للعامل به شيء غير الضر ؛ فليس الحامل على تعلمه إلا إيثارا للحاق بإبليس وحزبه فقال : (وَيَتَعَلَّمُونَ ،) أي من السحر الذي ولده الشياطين لا من الملكين (ما يَضُرُّهُمْ) لأن مجرد العمل به كفر أو معصية ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه بقوله : (وَلا يَنْفَعُهُمْ) لأنه لا تأثير له أصلا ، والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في مقابلة الضر ، ولذلك يخاطب به الكفار كثيرا لوقوع معنيهما في الظاهر الذي هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا ـ قاله الحرالي.
ثم أتبعه ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم فقال محققا مؤكدا : (وَلَقَدْ عَلِمُوا ،) بيانا لأنهم أسفه الناس (لَمَنِ اشْتَراهُ) أي آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان (ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ) الباقية الباقي نفعها (مِنْ خَلاقٍ) أي نصيب موافق أصلا ، والخلاق الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه ـ قاله الحرالي.
ثم جمع لهم المذامّ على وجه التأكيد فقال : (وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا) ، أي باعوا على وجه اللجاجة (بِهِ أَنْفُسَهُمْ) إشارة إلى أنه مما أحاط بهم فاجتثت نفوسهم من أصلها فأوجب لهم الخلود في النار ، ثم قال بعد إثبات العلم لهم : (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) ، أي لو كان لهم قابلية لتلقي واردات الحق ، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم ، فعلمهم الذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم بل العدم خير منه.
ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) أي بما دعوا إليه من هذا القرآن ، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله لا السحر (وَاتَّقَوْا) ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان حقا فنسخ من التوراة فصار باطلا ، ومن الإقدام على ما لم يكن حقا أصلا من السحر لأثيبوا خيرا مما تركوا ، لأن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ؛ هكذا الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما يقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال : (لَمَثُوبَةٌ) صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير ، وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات ـ قاله الحرالي ، وشرفها بقوله : (مِنْ عِنْدِ اللهِ) الذي له جميع صفات الكمال ، وزادها شرفا بقوله : (خَيْرٌ ،) مع حذف المفضل عليه. قال الحرالي : وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفا لهذه المثوبة وإلحاقا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء كلمته ـ انتهى. وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع ، ومن ذلك واردات الآثار ككون
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
