وأصل معناها من فتن الذهب وهو تسخيره ليظهر جوهره ويتخلص طيبه من خبيثه ـ انتهى. (فَلا تَكْفُرْ) بالعمل بما نعلمكه ، فإن العمل به كفر ، أو باعتقاد أنه حق مغن عما جاء عن الله ، أو مؤثر بنفسه (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ) مخالفة للملكين في النهي عن ذلك ، وذكر الفرقة في أشد الاتصال ليفهم منه ما دونه فقال : (بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ،) والمرء اسم سن من أسنان الطبع يشارك الرجل به المرأة ويكون له فيه فضل ما ويسمى معناه المروة ـ قاله الحرالي.
ولما ذكر السبب القريب للضرر رده إليه ترقية للذهن الثاقب إلى أعلى المراتب وصونا له عن اعتقاده ما لا يناسب فقال : (وَما هُمْ بِضارِّينَ) وهو من الضر ـ بالفتح والضم ـ وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه ، في مقابلة الأذى وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها ، وتشعر الضمة في الضر بأنه عن علو وقهر ، والفتحة بأنه ما يكون عن مماثل ونحوه ، وقل ما يكون عن الأدنى إلا أذى ومنه (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) [آل عمران : ١١١] قاله الحرالي : (بِهِ مِنْ أَحَدٍ.) ولما أكد استغراقه بضروب من التأكيد تلاه بمعيار العموم فقال : (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) المحيط بكل شيء قدرة وعلما ولا كفؤ له ، وفيه إعلام لهم بأن ضرره لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ذلك الضرر الضعيف حيث سحره لبيد بن الأعصم (١) إنما هو كضرر غيره من الأسباب التي قد تخفى فيضاف الأمر في ضررها إلى الله تعالى ، وقد تعرف فيضاف الضرر إليها كما كان يحصل لغيره من إخوانه من الأنبياء منهم ومن غيرهم ، والعلم حاصل بأن المؤثر في الجميع في الحقيقة هو الله تعالى ، وسيأتي عند قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها) [الأنعام : ٩٧] في سورة الأنعام ما ينفع استحضاره هنا.
__________________
(١) صحيح. يشير المصنف لحديث عائشة قالت : «كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ، ولا يأتيهن. قال سفيان. وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا. فقال : يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان ، فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل؟ قال : مطبوب قال : ومن طبه؟ قال : لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقا. قال : وفيم؟ قال : في مشط ومشاطة. قال وأين؟ قال : في جف طلعة ذكر تحت رعوفة في بئر ذروان ، قالت : فأتى النبي صلىاللهعليهوسلم البئر حتى استخرجه فقال : هذه البئر التي أريتها ، وكأن ماءها نقاعة الحناء ، وكأن نخلها رؤوس الشياطين قال : فاستخرج قالت : فقلت : أفلا. أي تنشّرت.؟ فقال : أما والله ، فقد شفاني ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا» أخرجه البخاري ٥٧٦٥ وأطرافه في ٣١٧٥ ، ٥٧٦٦ ، ٦٠٦٣ و ٣٢٦٨ و ٦٣٩١ ومسلم ٢١٨٩ وابن ماجه ٣٥٤٥ وابن حبان ٦٥٨٣ ، ٦٥٨٤ وأحمد ٦ / ٥٧ ، ٦٣ ، ٩٦.
قال ابن حجر في الفتح ١٠ / ٢٣٣ : ينشّر من النشرة بالضم ، وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
