والحس بمكان عظيم ، فذكرهم سبحانه ذلك مسليا للنبي صلىاللهعليهوسلم في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى عليهالسلام وهو أحدهم فقال (وَإِذْ قُلْتُمْ) أي بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات (يا مُوسى) فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضا ولم تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له وإكرامكم على يده (لَنْ) وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن ، يسّر بالتخفيف لفظها ـ قاله الحرالي. (نُؤْمِنَ لَكَ) أي لأجل قولك. قال الحرالي : وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به ، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله ، ومن آمن به فقد قبل أصل رسالته (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) [التوبة : ٦١] (حَتَّى) كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى لكي (نَرَى) من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره الدي أظهره منه منظره ، ومنه يقال في مطلع المنام : رؤيا ، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة ـ انتهى. (اللهَ) أي مع ما له من العظمة (جَهْرَةً) أي عيانا من غير خفاء ولا نوع لبس. قال الحرالي : من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به ، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوّزه القرب من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض ، فكيف أن يطلب ذلك جهرا حتى يناله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع الرؤية ، فإن موسى عليهالسلام قال (رَبِّ أَرِنِي) [الأعراف : ١٤٣] وقال تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) [القيامة : ٢٢ ـ ٢٣] وقال عليه الصلاة والسّلام : «إنكم ترون ربكم» (١) فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت لا مع ما هو
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٧٤٣٤ ، ٧٤٣٥ ، ٧٤٣٦ ومسلم ٦٣٣ وأبو داود ٤٧٢٩ والترمذي ٢٥٥٤ والنسائي في الكبرى ١١٣٣٠ وابن ماجه ١٧٧ والبيهقي ١ / ٣٥٩ والديلمي في الفردوس ١٥٧١ وأحمد ٤ / ٣٦٠ كلهم من حديث جرير بن عبد الله ، ولفظ البخاري في رواية له : «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروب الشمس ، فافعلوا» وهذا اللفظ لمسلم أيضا. وورد مطوّلا من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري ٧٤٣٧ و ٦٥٧٣ ومسلم ١٨٢ والترمذي ٢٥٥٧ والطيالسي ٢٣٨٣ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٦٠ وابن حبان ٧٤٩ و ٤٦٢٣ ، ٧٤٤٥ وأحمد ٢ / ٢٩٣ وأبو يعلى ٦٣٦٠ وفي رواية : «إنكم ترون ربكم» ورواية البخاري : «إنكم ترونه كذلك يجمع الله ...» فهو حديث مشهور وقد أنكره المعتزلة تمسكا منهم بالرأي الفاسد.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
