منفعتها إخراجها لا إثباتها ـ قاله الحرالي : (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال الحرالي : البارىء اسم قائم بمعنى البرء وهو إصلاح المواد للتصوير ، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفا وقميصا ، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزا وفخارا و ـ نحو ذلك ، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته ـ انتهى.
ولما كانت توبتهم بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس لذلك وإشارة إلى خبث ما ارتكبوا فقال (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي التي أوجدها فقادتكم إلى غيره. قال الحرالي : والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته بمنزلة قصل الزرع قبل استحصاده ـ انتهى. ولما كان ما أمرهم به أمرا لا يكاد يسمح به عظّم الرغبة فيه بقوله (ذلِكُمْ) أي الأمر العظيم وهو القتل (خَيْرٌ لَكُمْ) والخير قال الحرالي ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء وما هو الأصلح وما هو الأخير ، وربما استعملت منه خير محذوفة فيقال : هو خير في نفسه ، أي مما يختار ، ويقال : هذا خير من هذا ، أي أخير منه أي أصلح في الاختيار ، وكذلك لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من الأشياء لا يختار لأجل زيادة صلاح ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة (عِنْدَ) كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه مّا عام وأخص منه لدن ، فلدن خاصتها وعند عامتها ، كالذي يملك الشيء فهو عنده وإن لم يكن في حضرته ـ انتهى. (بارِئِكُمْ) أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم ، وفي التعبير بالبارىء ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان.
ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور بها بأن قتل بعضكم بعضا بتوفيقه لكم سبحانه مع ما فيه من عظم المشقة عطف عليه قوله (فَتابَ عَلَيْكُمْ) أي مع عظم جرمكم ، ولو لا توبته عليكم ما تبتم ؛ ثم علل ذلك بقوله (إِنَّهُ) أي لأنه (هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) أي ما زال هذا صفة له لا لاستحقاق منكم عليه قال الحرالي : وفي إظهار هو مفصولة من ضمير وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتا لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب ، فلذلك ختمه باسمه الرحيم ، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم ـ انتهى.
ولما استتيبوا عن عبادة العجل التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في الغباوة طلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال ناسين لجميع النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقي حيرة قائم بين أيديهم ، لأنهم من الجمود والوقوف مع الوهم
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
