فخصا بالذكر ، لأن من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها ، والزكاة قال الحرالي نماء في ظاهر حس وفي باطن ذات نفس ، (وَارْكَعُوا) من الركوع وهو توسط بين قيام وسجود يقع في ظاهر من القامة وفي حال من القلب ، تخص به الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين (مَعَ) معناه الصحبة من الأعلى بالحياطة ، ومن الأدنى بحسن التبع ، ومن المماثل بحسن النصفة ـ انتهى. وقوله : (الرَّاكِعِينَ) مع مصحوبه تأكيد لأمر الصلاة وأمر بالكون في هذا الدين مع الذين اتبعوا محمدا صلىاللهعليهوسلم ، فإن صلاة اليهود لا ركوع فيها ، كما سيأتي بيانه في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى.
وقال الحرالي : والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة الصلاة التي هي تلو الإيمان ، فكأن خطاب الإفهام : فارجعوا واستدركوا وأعلنوا بما كتمتم وبينوا ما لبستم وانصحوا من استنصحكم وأقيموا وجهتكم لله بالصلاة وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة وكملوا صلاتكم بما به كمال الصلاة من الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة وسجودها المظهر آية عظمة الله مع الراكعين الذين هم العرب الذين وضعت أول صلاتهم على كمال ـ انتهى. ويجوز أن يكون المراد بالركوع الصلاة ، عبر عنها به لما ذكر من خصوص هذه الأمة به ، فكأنه قيل : وصلّوا مع المصلّين جماعة ، لمزيد التوصية بالجماعة.
ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق من الإيمان والشرائع بعد أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم ، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر النعم ونقض العهود وما تبع ذلك وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه تزكية وينهونه عما يدعون أنه تردية ، أنكر عليهم ترغيبا فيما ندبهم إليه وحثهم عليه وتوبيخا على تركه بقوله : (أَتَأْمُرُونَ) من الأمر وهو الإلزام بالحكم ـ قاله الحرالي (النَّاسَ بِالْبِرِّ) وهو التوسع في أفعال الخير (وَتَنْسَوْنَ) والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم ، (أَنْفُسَكُمْ) أي تتركون حملها على ذلك ترك الناسي ، ولعله عبر به زيادة في التنفير عن هذا الأمر الفظيع الذي دلّ العقل دلالة بينة على فحشه ، لأن المقصود من أمر الغير بالبر النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو ينصح غيره وينسى نفسه ، والظاهر أن المراد به حكم التوراة ، كانوا يحملون عوامهم عليه وهم يعلمون دون العوام أن من حكم التوراة اتباع محمد صلىاللهعليهوسلم ، فقد نسوا أنفسهم من الأمر بأساس البر الذي لا يصح منه شيء إلّا به.
وقال الحرالي : ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع محمد صلىاللهعليهوسلم ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم أعلن تعالى عليهم بذلك نظما لما تقدم من
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
