نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر من نقص عقولهم في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه فأخرجهم بذلك عن حد العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين ، وزاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه فقال : (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ) من التلاوة ، وهو تتبع قول قائل أول من جهة أوليته ـ قاله الحرالي. وهذه الجملة الحالية أعظم منبّه على أن من حكم التوراة اتباعه صلىاللهعليهوسلم ، ومشير إلى أن المعصية من العالم أقبح. قال الحرالي : فيه إشعار بأن أمر النبي صلىاللهعليهوسلم في منطوق تلاوته ليس في خفي إفهامه ، فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل ـ انتهى.
ولما كان هذا في كتابهم وهم به يأمرون وعنه معرضون سبب سبحانه عنه الإنكار في قوله : (أَفَلا) أي أتتلونه فلا (تَعْقِلُونَ) إشارة إلى أن ما هم عليه من هذا لا يفعله ذو مسكة ، والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره ـ قاله الحرالي. سمي عقلا لأنه يعقل عن التورّط في الهلكة.
ولما أنكر عليهم اتباع الهوى أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل أعمال البدن فقال عاطفا على ما مضى من الأوامر. وقال الحرالي : فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم فلما في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعا للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم نسق (١) بخطابهم في ذلك الأمر بالاستعانة بالصبر الذي يكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة فقال تعالى ـ انتهى. (وَاسْتَعِينُوا) أي على إظهار الحق والانقياد له وهو معنى ما مضى من الأوامر والنواهي (بِالصَّبْرِ) أي على مخالفة الهوى ، والصبر حبس النفس عن حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها ، هو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس ـ قاله الحرالي. وهو عام في كل صبر الصوم وغيره ، (وَالصَّلاةِ) أي الموصلة إلى المقام الأعلى ، وفيه التفات إلى (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة : ٥] وإشارة إلى أن من لم تنهه صلاته عن ركوب الباطل والتمادي فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس بمصلّ ، فكأن المراد بالصبر تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص ، فمن صلى على هذه الصفة كان لا محالة من الناجين ؛ وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ) [طه : ١٣٢] قال الحرالي. ويصح أن يراد بها الدعاء ، فمن صبر عن
__________________
(١) نسق الدر ينسقه نسقا : نظمه على السواء ، والكلام : رتبه ، وعطف بعضه على بعض على نظم واحد.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
