أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ) [النور : ٢٢] إلى تمام ما لا تحصل السلامة إلا به من النهي عما زاد على الكفاف والبلغة في الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة نحو قوله تعالى : (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) [الإسراء : ٣٧] إلى قوله : (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) [الإسراء : ٣٩] ، ونحو قوله تعالى : (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) [طه : ١٣١] ، لأن كل زائد على الكفاف (١) فتنة ، وهذا هو أساس ما به تتفاوت درجات العلم في الدنيا ودرجات الجنة في الآخرة ، ولا تصح الوجوه والحروف التي بعده أي وهي سائر الحروف علما وعملا وثباتا وقبولا عند التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه لأنه ظهور لما بعده من صلات حرف الأمر وما قصّر بعشرات فرق الأمة إلى التقصير في حرف النهي ، لأن الملة الحنيفية مبنية على الاكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة في الحمية من عموم ما لا يتناهى من المنهيات لكثرة مداخل الآفات منها على الخلق فيما بعد الموت ويصعب هذا الحرف على الخلق بما استقر في أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صنوف المنهيات لنظرهم لجدواها في الدنيا وعماهم عن وبالها في الأخرى وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا بوفاء الحمية منها ، والحمية أصل الدواء ، فمن لم يحتم عن المنهيات لم ينفعه تداويه بالمأمورات ، كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء (هَلْ) أنبئكم (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [الكهف : ١٠٣ ، ١٠٤] وجاؤوا بحسنات كالجبال وكانوا يصومون ويصلون ويأخذون وهنا من الليل لكن ذلك تداو بغير حمية لما لم يحتموا من الدنيا التي نهوا عن زهرتها ، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منها الشهوات ويعملون المعصيات فلم ينفعهم المداواة ، فمن احتمى فقد قرأ هذا الحرف وهو حسبه فاقرؤوا ما تيسر منه ، أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا وحمية النفس من هوى جاهها ومالها «بل نبيا عبدا» (٢)
__________________
(١) الكفاف من الرزق : القوت. وهو ما كف عن الناس أي أغنى وفي الحديث «اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا».
(٢) حسن لشاهده. وهو بعض حديث أخرجه أبو يعلى ٤٩٢٠ والبغوي في شرح السنة ٣٦٨٣ وأبو الشيخ في أخلاق النبي صلىاللهعليهوسلم ص ١٩٧ كلهم من حديث عائشة وذكره الهيثمي في المجمع ٩ / ١٩ وقال : رواه أبو يعلى ، وإسناده حسن ا ه. وفي إسناده أبو معشر ضعيف. ولفظ الحديث : «يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إنّ حجزته لتساوي الكعبة فقال : إن ربك يقرأ عليك السّلام ويقول لك إن شئت نبيا عبدا ، وإن شئت نبيا ملكا قال : فنظرت إلى جبريل قال : فأشار إليّ أن ضع نفسك قال فقلت : نبيا عبدا. قال فكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا يقول : آكل كما يأكل
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
