يحب لنفسه ، ويحترم ماله ، كما يحترم ماله ؛ ولأن أكله لمال غيره يجرىء غيره على أكل ماله عند القدرة. ولما كان أكلها نوعين : نوعا بحق ، ونوعا بباطل ، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل ، قيده الله تعالى بذلك. ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية ، أو نحو ذلك. ويدخل فيه أيضا أخذها على وجه المعاوضة ، بمعاوضة محرمة ، كعقود الربا ، والقمار كلها ، فإنها من أكل المال بالباطل ، لأنه ليس في مقابله عوض مباح. ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع ، والشراء ، والإجارة ، ونحوها ، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء ، وأكل أجرتهم ، وكذلك أخذهم أجرة على عمل ، لم يقوموا بواجبه ، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح ، حتى يقصد بها وجه الله تعالى ، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات ، والأوقاف ، والوصايا من ليس له حق منها ، أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل ، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه حتى ولو حصل فيه النزاع والارتفاع إلى حاكم الشرع ، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة غلبت حجة المحق ، وحكم له الحاكم بذلك. فإن حكم الحاكم لا يبيح محرما ، ولا يحلل حراما ، إنما يحكم على نحو مما يسمع ، وإلا فحقائق الأمور باقية ، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ، ولا شبهة ، ولا استراحة. فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة ، وحكم له بذلك ، فإنه لا يحل له ، ويكون آكلا لمال غيره بالباطل والإثم ، وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في عقوبته ، وأشد في نكاله. وعلى هذا ، فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه ، لم يحل له أن يخاصم عن الخائن ، كما قال تعالى : (وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً).
[١٨٩] فقوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) : جمع هلال ، ما فائدتها وما حكمتها؟ أو عن ذاتها. (قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ) ، أي : جعلها الله تعالى ، بلطفه ورحمته ، على هذا التدبير. يبدو الهلال ضعيفا في أول الشهر ، ثم يتزايد إلى نصفه ، ثم يشرع في النقص إلى كماله ، وهكذا ليعرف الناس بذلك ، مواقيت عباداتهم ، من الصيام ، وأوقات الزكاة ، والكفارات ، وأوقات الحج. ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات ، ويستغرق أوقاتا كثيرة ، قال : (وَالْحَجِ) ، وكذلك تعرف بذلك أوقات الديون المؤجلات ، ومدة الإجارات ، ومدة العدد والحمل ، وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق. فجعله تعالى حسابا يعرفه كل أحد ، من صغير وكبير ، وعالم وجاهل ، فلو كان الحساب بالسنة الشمسية ، لم يعرفه إلا النادر من الناس. (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) ، وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب إذا أحرموا ، لم يدخلوا البيوت من أبوابها ، تعبدا ذلك ، وظنّا أنه بر ، فأخبر تعالى أنه ليس من البر ، لأن الله تعالى لم يشرعه لهم. وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله ، فهو متعبد ببدعة. وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم ، التي هي قاعدة من قواعد الشرع. ويستفاد من إشارة الآية إلى أنه ينبغي في كل أمر من الأمور ، أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب ، الذي قد جعل له موصلا ، فالآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر ، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور ، ويستعمل معه الرفق والسياسة ، التي بها يحصل المقصود أو بعضه ، والمتعلم والمعلم ، ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله ، يحصل به مقصوده. وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور وأتاه من أبوابه ، وثابر عليه ، فلا بد أن يحصل له المقصود ، بعون الملك المعبود. (وَاتَّقُوا اللهَ) هذا هو البر الذي أمر الله به ، وهو لزوم تقواه على الدوام ، بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإنه سبب للفلاح ، الذي هو الفوز المطلوب ، والنجاة من المرهوب ، فمن لم يتق الله تعالى ، لم يكن له سبيل إلى الفلاح ، ومن اتقاه ، فاز بالفلاح والنجاح.
[١٩٠] (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ). هذه الآيات ، تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله ، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة ، لما قوي المسلمون للقتال ، أمرهم الله به ، بعد ما كانوا مأمورين بكفّ أيديهم ، وفي تخصيص القتال (فِي سَبِيلِ اللهِ) حث على الإخلاص ، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين. (الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) ، أي : الذين هم مستعدون
