بعد الخوف ، نسوا ما أصابهم من الضراء ، ولم يشكروا الله على الرخاء والرحمة ، بل استمروا في طغيانهم ومكرهم. ولهذا قال : (إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا) أي يسعون بالباطل ، ليبطلوا به الحقّ. (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً) فإن المكر السيّء لا يحيق إلا بأهله ، فمقصودهم منعكس عليهم ، ولم يسلموا من التبعة ، بل تكتب الملائكة عليهم ، ما يعملون ، ويحصيه الله ، ثمّ يجازيهم عليه أوفر الجزاء.
[٢٢ ـ ٢٣] لما ذكر تعالى القاعدة العامة في أحوال الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد الضراء ، واليسر بعد العسر ، ذكر حالة تؤيد ذلك وهي : حالهم في البحر ، عند اشتداده والخوف من عواقبه ، فقال : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) بما يسر لكم من الأسباب الميسرة لكم فيها ، وهداكم إليها. (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) أي : السفن البحرية (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) موافقة لما يهوونه ، من غير انزعاج ولا مشقة. (وَفَرِحُوا بِها) واطمأنوا إليها ، فبينما هم كذلك ، إذ (جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ) شديدة الهبوب (وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) أي : عرفوا أنه الهلاك ، فانقطع حينئذ ، تعلقهم بالمخلوقين ، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده. وحينئذ (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام ، فقالوا : (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ). (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) أي نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء ، وما الزموه أنفسهم ، فأشركوا بالله ، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد ، ولا يدفع عنهم المضايق. فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء ، كما أخلصوها في الشدة؟ ولكن هذا البغي يعود وباله عليهم ، ولهذا قال : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي : غاية ما تؤملون ببغيكم ، وشرودكم عن الإخلاص لله ، أن تنالوا شيئا من حطام الدنيا وجاهها ، النزر اليسير الذي سينقضي سريعا ، ويمضي جميعا ، ثمّ تنتقلون عنه بالرغم. (ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ) في يوم القيامة (فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وفي هذا غاية التحذير لهم عن الاستمرار على عملهم.
[٢٤] وهذا المثل من أحسن الأمثلة ، وهو مطابق لحالة الدنيا ، فإن لذّاتها وشهواتها وجاهها ، ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتا قصيرا ، فإذا استكمل وتم ، اضمحل ، وزال عن صاحبه ، أو زال صاحبه عنه ، فأصبح صفر اليدين منها ، ممتلىء القلب من همها وحزنها وحسرتها. فذلك (كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) أي : نبت فيها من كل صنف ، وزوج بهيج (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ) كالحبوب والثمار (وَ) مما تأكل (الْأَنْعامُ) كأنواع العشب ، والكلأ المختلف الأصناف. (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ) أي : تزخرفت في منظرها ، واكتست في زينتها ، فصارت بهجة للناظرين ، ونزهة للمتفرجين ، وآية للمتبصرين ، فصرت ترى لها منظرا عجيبا ما بين أخضر ، وأصفر ، وأبيض وغيره. (وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) أي : حصل معهم طمع بأن ذلك سيستمر ويدوم ، لوقوف إرادتهم عنده ، وانتهاء مطالبهم فيه. فبينما هم في تلك الحالة (أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أي : كأنها ما كانت فهذه حالة الدنيا ، سواء بسواء. (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) أي : نبينها ونوضحها ، بتقريب المعاني إلى الأذهان ، وضرب الأمثال (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أي : يعملون أفكارهم فيما ينفعهم. وأما الغافل
