بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش ، وقتلهم عمرو بن الحضرمي ، وأخذهم أمواله ، وكان ذلك ـ على ما قيل ـ في شهر رجب ، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم ، وكانوا في تعيير هم ظالمين ، إذ فيهم من القبائح ، ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين ، قال تعالى في بيان ما فيهم : (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) ، أي : صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله ، وفتنتهم من آمن به ، وسعيهم في ردهم عن دينهم ، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، الذي هو بمجرده ، كاف في الشر ، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟ (وَإِخْراجُ أَهْلِهِ) ، أي : أهل المسجد الحرام ، وهم النبي صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ، لأنهم أحق به من المشركين ، وهم عماره على الحقيقة ، فأخرجوهم (مِنْهُ) ، ولم يمكنوهم من الوصول إليه ، مع أن هذا البيت ، سواء العاكف فيه والباد. فهذه الأمور كل واحد منها (أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) في الشهر الحرام ، فكيف وقد اجتمعت فيهم؟ فعلم أنهم فسقة ظلمة ، في تعييرهم المؤمنين. ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين ، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم ، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم ، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير ، فهم باذلون قدرتهم في ذلك ، ساعون بما أمكنهم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، ولو كره الكافرون. وهذا الوصف عام لكل الكفار ، لا يزالون يقاتلون غيرهم ، حتى يردوهم عن دينهم ، وخصوصا أهل الكتاب ، من اليهود والنصارى ، ألفوا الجمعيات ، ونشروا الدعاة ، وبثّوا الأطباء ، وبنوا المدارس لجذب الأمم إلى دينهم ، وإدخالهم عليهم ، كل ما يمكنهم من الشبه ، التي تشككهم في دينهم. ولكن المرجو من الله تعالى ، الذي منّ على المؤمنين بالإسلام ، واختار لهم دينه القيم ، وأكمل لهم دينه ـ أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم قيام ـ ، وأن يخذل كل من أراد أن يطفىء نوره ، ويجعل كيدهم في نحورهم وينصر دينه ، ويعلي كلمته. وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار ، كما صدقت على من قبلهم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (٣٦). ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام ، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا ، (فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) لعدم وجود شرطها ، وهو الإسلام ، (وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ). ودلّت الآية بمفهومها ، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام ، أنه يرجع إليه عمله ، وكذلك من تاب من المعاصي ، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.
[٢١٨] هذه الأعمال الثلاثة ، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية ، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح الخسران. فأما الإيمان ، فلا تسأل عن فضيلته ، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد ، قبلت أعمال الخير منه ، وإذا عدم منه ، لم يقبل له صرف ولا عدل ، ولا فرض ، ولا نفل. وأما الهجرة ، فهي مفارقة المحبوب المألوف ، لرضا الله تعالى ، فيترك المهاجر وطنه ، وأمواله ، وأهله ، وخلّانه ، تقرّبا إلى الله ، ونصرة لدينه. وأما الجهاد ، فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء ، والسعي
