به. ولكن لشدة الأمر وضيقه (يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ). فلما كان الفرج عند الشدة ، وكلما ضاق الأمر اتسع ، قال تعالى : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) ، فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن. فكلما اشتدت عليه وصعبت ـ إذا صابر وثابر على ما هو عليه ـ انقلبت المحنة في حقه منحة ، والمشقات راحات ، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء ، وشفاء ما في قلبه من الداء ، وهذه الآية نظير قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (١٤٢). وقوله تعالى : (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) (٣) ، فعند الامتحان ، يكرم المرء أو يهان.
[٢١٥] أي : يسألونك عن النفقة ، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه ، فأجابهم عنها ، فقال : (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) ، أي : مال قليل أو كثير ، فأولى الناس به ، وأحقهم بالتقديم ، أعظمهم حقا عليك ، وهم الوالدان الواجب برهما ، والمحرم عقوقهما. ومن أعظم برهما ، النفقة عليهما ، ومن أعظم العقوق ، ترك الإنفاق عليهما ، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة ، على الولد الموسر. ومن بعد الوالدين ، الأقربون على اختلاف طبقاتهم ، الأقرب فالأقرب ، على حسب القرب والحاجة ، فالإنفاق عليه صدقة وصلة. (وَالْيَتامى) ، وهم الصغار الذين لا كاسب لهم ، فهم في مظنة الحاجة ، لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم ، وفقد الكاسب ، فوصى الله بهم العباد ، رحمة منه بهم ولطفا. (وَالْمَساكِينِ) وهم أهل الحاجات ، وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة ، فينفق عليهم لدفع حاجاتهم وإغنائهم. (وَابْنِ السَّبِيلِ) ، أي : الغريب المنقطع به في غير بلده ، فيعان على سفره بالنفقة التي توصله إلى مقصده. ولما خصّص الله تعالى على هؤلاء الأصناف ، لشدة الحاجة ، عمم تعالى ، فقال : (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) : من صدقة على هؤلاء وغيرهم ، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات ، لأنها تدخل في اسم الخير. (فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) ، فيجازيكم عليه ، ويحفظه لكم ، كل على حسب نيته وإخلاصه ، وكثرة نفقته وقلتها ، وشدة الحاجة إليها ، وعظم وقعها ونفعها.
[٢١٦] هذه الآية ، فيها فرض القتال في سبيل الله ، بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه ، لضعفهم وعدم احتمالهم لذلك ، فلما هاجر النبي صلىاللهعليهوسلم إلى المدينة ، وكثر المسلمون وقووا ، أمرهم الله تعالى بالقتال ، وأخبر أنه مكروه للنفوس ، لما فيه من التعب والمشقة ، وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف. ومع هذا ، فهو خير محض ، لما فيه من الثواب العظيم ، والتحرز من العقاب الأليم ، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم ، وغير ذلك مما هو مرب ، على ما فيه من الكراهة. (وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة ، فإنه شر ، لأنه يعقب الخذلان ، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله ، وحصول الذل والهوان ، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب. وهذه الآيات عامة مطردة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس ـ لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة ـ فهي شر ، بلا شك. وأما أحوال الدنيا ، فليس الأمر مطردا ، ولكن الغالب على العبد المؤمن ، أنه إذا أحب أمرا من الأمور ، فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له ، فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله ، ويعتقد الخير في الواقع ، لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه ، وأقدر على مصلحة عبده منه ، وأعلم بمصلحته منه ، كما قال تعالى : (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ، فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره ، سواء سرتكم أو ساءتكم.
[٢١٧] ولما كان الأمر بالقتال ، لو لم يقيد ، لشمل الأشهر الحرم وغيرها ، استثنى تعالى القتال في الأشهر الحرم ، فقال : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ) الآية. الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا ، وقال بعض المفسرين : إنه لم ينسخ ، لأن المطلق محمول على المقيد ، وهذه الآية مقيدة ، لعموم الأمر بالقتال مطلقا ؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم : بل أكبر مزاياها ، تحريم القتال فيها ، وهذا إنما هو في قتال الابتداء. وأما قتال الدفع ، فإنه يجوز في الأشهر الحرم ، كما يجوز في البلد الحرام. ولما كنت هذه الآية نازلة
