تعالى : (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ، فيكون المتقون في أعلى الدرجات ، متمتعين بأنواع النعيم والسرور ، والبهجة والحبور. والكفار تحتهم في أسفل الدركات ، معذبين بأنواع العذاب والإهانة ، والشقاء السرمدي ، الذي لا منتهى له ، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين ، ونعي على الكافرين. ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية لا تحصل إلا بتقدير الله ، ولن تنال إلا بمشيئة الله ، قال تعالى : (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) ، فالرزق الدنيوي ، يحصل للمؤمن والكافر ، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ، ومحبة الله ، وخشيته ورجائه ، ونحو ذلك ، فلا يعطيها إلا من يحبه.
[٢١٣] أي : كان الناس مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء ، ليس لهم نور ولا إيمان ، فرحمهمالله تعالى بإرسال الرسل إليهم (مُبَشِّرِينَ) من أطاع الله بثمرات الطاعات ، من الرزق والقوة في البدن والقلب ، والحياة الطيبة ، وأعلى ذلك الفوز برضوان الله والجنة. (وَمُنْذِرِينَ) من عصى الله بثمرات المعصية ، من حرمان الرزق ، والضعف ، والإهانة ، والحياة الضيقة ، وأشد ذلك ، سخط الله والنار. (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِ) ، وهو الإخبارات الصادقة ، والأوامر العادلة. فكل ما اشتملت عليه الكتب الإلهية ، فهو حق يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع ، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع ، أن يرد الاختلاف والتنازع ، إلى الله وإلى رسوله ، ولو لا أن في كتابه وسنة رسوله فصل النزاع لما أمر بالرد إليهما. ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب ، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم ، أخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض ، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف. فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه ، وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات ، والأدلة القاطعات ، وضلوا بذلك ضلالا بعيدا. (فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) من هذه الأمة (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِ) ، فكل ما اختلف فيه أهل الكتاب ، وأخطأوا فيه الحق والصواب ، هدى الله للحق فيه هذه الأمة (بِإِذْنِهِ) تعالى وتيسيره لهم ورحمته. (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ). فعمّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم ، عدلا منه تعالى ، وإقامة حجة على الخلق ، لئلا يقولوا : (ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) ، وهدى ـ بفضله ورحمته ، وإعانته ولطفه ـ من شاء من عباده ، فهذا فضله وإحسانه ، وذاك عدله وحكمته ، تبارك وتعالى.
[٢١٤] يخبر تبارك وتعالى ، أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم ، فهي سنته الجارية ، التي لا تتغير ولا تتبدل ، أن من قام بدينه وشرعه ، لا بد أن يبتليه ، فإن صبر على أمر الله ، ولم يبال بالمكاره الواقعة في سبيله ، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها ، ومن السيادة آلتها. ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله ، بأن صدّته المكاره عما هو بصدده ، وثنته المحن عن مقصده ، فهو الكاذب في دعوى الإيمان ، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني ، ومجرد الدعاوى ، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم (مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ) ، أي : الفقر والأمراض في أبدانهم. (وَزُلْزِلُوا) بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل ، والنفي ، وأخذ الأموال ، وقتل الأحبة ، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال ، وآل بهم الزلزال ، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم
