ويروى أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال له : «ربح البيع صهيب».
وحدّث أبو عثمان النهدي عن صهيب ، قال : لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلىاللهعليهوسلم ، قالت لي قريش : يا صهيب ، قدمت إلينا ولا مال لك ، وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبدا ، فقلت لهم : أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا : نعم ، فدفعت إليهم مالي ، فخلوا عني فخرجت حتى قدمت المدينة ، فبلغ ذلك النبي صلىاللهعليهوسلم ، فقال : «ربح صهيب ، ربح صهيب» مرتين. وقال حماد بن سلمة ، عن علي بن يزيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلىاللهعليهوسلم ، فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، ونثل ما في كنانته ، ثم قال : يا معشر قريش ، قد علمتم أني من أرماكم رجلا ، وأنتم ـ والله ـ لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ، ثم أضرب بسيفي ، ما بقي في يدي منه شيء ، ثم افعلوا ما شئتم ، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة ، وخليتم سبيلي ، قالوا له : نعم. فلما قدم على النبي صلىاللهعليهوسلم ، قال : «ربح البيع» ، قال : ونزلت : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ). وأما الأكثرون ، فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١١١). ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين ، أنكر عليه بعض الناس. فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما ، وتلوا هذه الآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ). ا. ه. من «تفسير ابن كثير» بتصرف يسير.
[٢٠٨] (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا) ، هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا (فِي السِّلْمِ كَافَّةً) ، أي : في جميع شرائع الدين ، ولا يتركوا منها شيئا ، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه ، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله ، وإن خالفه تركه ، بل الواجب أن يكون الهوى تبعا للدين ، وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال الخير ، وما يعجز عنه ، يلتزمه وينويه ، فيدركه بنيته. ولما كان الدخول في السلم كافة ، لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان ، قال : (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) ، أي : في العمل بمعاصي الله (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ، ظاهر العداوة ، والعدو المبين لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء ، وما به الضرر عليكم.
[٢٠٩] ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل ، قال تعالى : (فَإِنْ زَلَلْتُمْ) ، أي : أخطأتم ووقعتم في الذنوب (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ) ، أي : على علم ويقين (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وفيه من الوعيد الشديد والتخويف ، ما يوجب ترك الزلل ، فإن العزيز المقام الحكيم ، إذا عصاه العاصي ، قهره بقوته ، وعذبه بمقتضى حكمته ، فإن من حكمته تعذيب العصاة والجناة. وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب.
[٢١٠] يقول تعالى : هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض ، المتبعون لخطوات الشيطان ، النابذون لأمر الله
