وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)
____________________________________
أي كيف تقتلون موسى ، وهو يقول أمرا لا يضركم؟ (وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي بالأدلة الواضحة ، وهذا الكلام لا ينافي كتمان إيمانه ، فإن الخصوم دائما يظهرون فيما بينهم حقائق خصومهم ، ويعترفون بمزاياهم وفضائلهم (مِنْ رَبِّكُمْ) أي من طرف إلهكم وخالقكم ، وقد كان حتى فرعون يعترف بالإله في خلواته ، ولذا تضرع إليه سبحانه وقت انقطاع النيل (وَإِنْ يَكُ) موسى (كاذِباً) في دعواه النبوة (فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) أي أن ضرر كذبه يعود إليه ، لا إليكم ، فإن الكاذب يتضرر من كذبه (وَإِنْ يَكُ صادِقاً) فيما يقول (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) فإن موسى كان يعدهم بالهلاك والعذاب إن بقوا في كفرهم وطغيانهم ، وإنما قال «بعض» تلطفا في الخطاب ، وتوسعا في الكلام ، وكأنه قال ، أقل ما في الأمر ، أنه يصيبكم بعض ما يقوله موسى من نكال الدنيا وعذاب الآخرة ، ومعنى «يصيبكم» يصل إليكم (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي) بالألطاف الخفية الموجبة للسعادة الأبدية (مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) أي متجاوز في العصيان حدّ المتعارف ، أو متجاوز حدود الشريعة كثير الكذب ، وقد أراد بهذا ، إما فرعون وقومه بمعنى أنكم إذا قتلتم موسى ، كنتم من المسرفين الكذابين ، الكثيري التكذيب لما يقوله موسى من الأمور المربوطة بالمبدأ والمعاد والشريعة ، وإما موسى عليهالسلام ، بأنه إن كان موسى مسرفا كذابا ، لم يهده ربه ، وقد قال ذلك تأكيدا لقوله (وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ).
![تقريب القرآن إلى الأذهان [ ج ٤ ] تقريب القرآن إلى الأذهان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4173_taqrib-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
