فقال : في الألف ستّ صفات من صفات الله : «الابتداء» ؛ لأنّ الله تعالى ابتدأ جميع الخلق. والألف ابتداء الحروف. و «الاستواء» : فهو عادل غير جائر ، والألف مستو في ذاته ، و «الانفراد» والله فرد والألف فرد. و «اتصال الخلق بالله» ، والله لا يتصل بالخلق ، فهم يحتاجون إليه وله غنى عنهم. وكذلك الألف لا يتصل بحرف ، فالحروف متصلة به ، وهو «منقطع عن غيره» ، والله باين بجميع صفاته من خلقه. و «معناه من الألفة» ، فكما أنّ الله سبب ألفة الخلق ، فكذلك الألف ، عليه تألّفت الحروف وهو سبب ألفتها (١).
وقالت الحكماء (٢) : عجز عقول الخلق في ابتداء خطابه ، وهو محل الفهم ، ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة حقائق خطابه إلّا بعلمهم بالعجز عن معرفة حقيقة خطابه.
وأما محل (الم) من الإعراب فرفع بالابتداء وخبره فيما بعده.
وقيل : (الم) ابتداء ، و (ذلِكَ) ابتداء آخر و (الْكِتابُ) خبره ، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول (٣).
***
وهكذا ذكر أبو عبد الله الأنصاري القرطبي ذهاب لفيف من السلف إلى أنّ هذه الحروف رموز وأسرار استأثر الله بعلمها ، لا يعلمها إلّا الله ، قال :
اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور ؛ فقال عامر الشّعبيّ وسفيان الثّوري وجماعة من المحدّثين : هي سرّ الله في القرآن ، ولله في كلّ كتاب من كتبه سرّ. فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، ولا يجب أن يتكلّم فيها ، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت.
وذكر أبو اللّيث السّمرقنديّ عن ابن مسعود أنّه قال : الحروف المقطّعة من المكتوم الذي لا يفسّر. وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطّعة في القرآن إلا في أوائل السّور ، ولا ندري ما أراد الله بها!
قال : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر ابن الأنباري بإسناده إلى سعيد بن مسروق عن الربيع بن
__________________
(١) لم نجد له مستندا ، وهو حديث غريب جدّا. (رواه عنه الطبرسي في مجمع البيان (١ : ٣٢ ـ ٣٣).
(٢) في تفسير السلمي : وقال بعض العراقيين : حيّر عقول الخلق في ابتداء خطابه ، وهو محلّ الفهم ، ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة حقائق خطابه إلّا بعلمهم بالعجز عن معرفة خطابه.
(٣) الثعلبي ١ : ١٣٦ ـ ١٤٠.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ١ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4120_altafsir-alasari-aljame-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
