وما عدول الشافعي عن مذهبه القديم في العراق الى مذهبه الجديد في مصر ، إلا بسبب تغيّر البيئة والعرف في هذين القطرين ، في أغلب المسائل المعدول عنها .. وهذا من أسباب مرونة الفقه الاسلامي ومسايرته التطوّر.
الشافعي والحديث النبوي
الامام الشافعي يرى ان القرآن والسُنّة سواء في التشريع ، ولا يشترط شهرة الحديث ، كما اشترط ذلك الامام أبو حنيفة ، ولم يشترط عدم مخالفة الحديث لعمل أهل المدينة كما اشترط ذلك مالك ، بل وأنكر الاحتجاج بعملهم.
ويقول الشافعي : لقد ضلّ من ترك قول رسول الله لقول من بعده. ولا يشترط الشافعي في الحديث ما شرط الحنفية من كونه غير مخالف للأقيسة الظاهرة العامة في الشريعة ، الا أن يكون الراوي معروفاً بالفقه والاجتهاد كالخلفاء الراشدين ، وأطال في كتاب الأم ردّه على الاحتجاج بعمل أهل المدينة ، ودافع في رسالته دفاعاً قوياً مطوّلاً عن العمل بخبر الواحد كلما كان صحيحاً متّصلاً ، وبذلك كسب ثقة المحدّثين ، حتى سمّاه البغداديون : (ناصر السُنّة) ، بل ويعترف الشافعي نفسه بذلك ، حيث يقول : سُمّيت ببغداد (ناصر الحديث). ويُقال ان أصحاب الحديث كانوا رقوداً ، حتى جاء الشافعي ، فأيقظهم ، فتيقظوا.
وعموماً ان الشافعي ركّز على الحديث الصحيح أو الحسن ، وذهب إلى أن ليس لأحد حجّة مع رسول الله (١).
__________________
(١) المذاهب الفقهية : ٩٠ ـ ٩١.
