باكياً إلى رسول الله ، وسأله : هل نزل فيّ شيء؟ قال صلىاللهعليهوآله : لا ، ولكن لا يبلّغ عني إلا أنا أو واحد من أهلي (١) ، وهذه الحادثة لم تَرُق لأهل السُنّة والجماعة ، فيحاولون تجاهلها ، أو التطرّق إليها لماماً وبصورة مقتضبة ، لأنها تثبت منقبة لعلي وتنفيها عن أبي بكر.
وكثيراً ما قرأنا كتابات حول تبليغ سورة براءة ، غير ان كتّابها لا يتطرقون إلى انصراف رسول الله ـ بأمر من جبرئيل ـ عن أمر تبليغ أبي بكر لسورة براءة ، وتخويل عليّ بذلك ، لأن تبليغ المقدّس لا يقوم به إلا الرسول أو رجل من اهله. وهذه الحقيقة يتجنبها الجمهور ويتجافون ذكرها ، لأن فيها منقصة لأبي بكر ومنقبة عظمى لعلي.
٣ ـ يلقّب جمهور المسلمين ، الخليفة الأول بالصدّيق ، وقد يتناهى للمرء ـ لأول وهلة ـ بأن لهذا اللقب أصلاً شرعياً أو دينياً ، غير ان الذي يقرأ التاريخ بشيء من التفصيل ، تتراءى له حقيقة أخرى وهي ان أهل الكتاب هم الذين لقّبوا أبا بكر بالصدّيق ، وليس لهذا اللقب أصل أبداً.
أما الرواية التي تعزو هذا اللقب للنبي صلىاللهعليهوآله ، فهي موضوعة ، لأجل تأصيل هذا اللقب ليس إلا ، والواقع يثبت ان أبا بكر لو كان صدّيقاً ، لما خالف رسول الله في مواقف عديدة ، ولما وبّخه صلىاللهعليهوآله لما فرّ من الزحف في معركة أحد وحُنين كسائر الصحابة والمسلمين ، ولما منعه صلىاللهعليهوآله وهو في حالة الاحتضار من إمامة الجماعة ، ولما عصى أبو بكر نبيّه في بعث أسامة ، وقفّل راجعاً مع أكثر الصحابة إلى المدينة ، وقد انسحب عليه لعن رسول الله للمتخلفين.
فأبو بكر ليس خليقاً بلقب «الصدّيق» الذي هو من ألقاب الانبياء والأئمة والاولياء الصالحين.
__________________
(١) فتح الباري ـ ابن حجر ٨ : ٢٤١.
