ـ يقول علماء الجمهور إن الأئمة اختلفوا في كثير من الامور الاجتهادية ، كما اختلف الصحابة والتابعون قبلهم ، وهم جميعاً على الهدى ، مادام الاختلاف لم ينجم عن هوى او رغبة في الشقاق (١).
وقد كان مجتهدو الصحابة يقولون عن اجتهادهم : «هذا رأي فإن كان صواباً فمن الله ، وان كان خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله منه بريئان» (٢).
وتعليقنا على هذا هو اذا كان اجتهاد هؤلاء واختلافهم ، نابعاً عن هدىً ونية حسنة وانهم ـ جميعاً ـ على الرشاد ، الى درجة ان العلماء من بعدهم كانوا يأخذون بفتوى الصحابي أو قوله أو رأيه ، كمصدر من مصادر التشريع ، في حين ان الصحابة أنفسهم يقرّون بان بعض فتاواهم وأقوالهم انما هي خطأ ومن الشيطان ، تُرى ما هو المعيار الذي يعتمده فقهاء التابعين وتابعي التابعين للأخذ بأقوال الصحابة ، مادام الصحابة الذين هم خير الناس بعد الرسول ، هم أنفسهم لا يميّزون أو يشخّصون ذلك الخطأ ، فكيف بالذين جاءوا من بعدهم؟ وهل يا تُرى الكلّ كان على هدىّ في ظل انعدام الرؤية الصحيحة ، وعدم الدراية والتشخيص الصحيح للموقف؟
والغريب هو التأكيد على ان الصحابة كانوا يختلفون حتى في أهم الفرائض وهي الصلاة ، حيث ان بعضهم كان يقرأ البسملة ، وبعضهم لا يقرأها ، ومنهم من يجهر بها ، ومنهم من يخفت ، وكان منهم من يقنت في صلاة الفجر ، ومنهم من لا يقنت فيها ، ومنهم من يتوضأ من الرعاف والقيء والحجامة ، ومنهم من لا يرى ذلك ، فأين كان هؤلاء الصحابة الذين عاش النبي بين ظهرانيهم لمدة ٢٣ عاماً ، وكان يصلّي فيهم يومياً؟
__________________
(١) أدب الاختلاف ، ص ١١٧ ـ ١١٨.
(٢) نشأة وتطور الفقه الاسلامي (٢) ـ د. محمود محمد علي ـ مجلة الجذور ـ العدد ١٧ ـ آذار ١٩٩٢ م.
