من القولين في معنى القول الآخر ، لكن العبارتين مختلفتان ، غير ان الجهل أو الظلم يحمل على الثناء على أحد المقالتين ، وذم الأخرى ، فيحدث الاختلاف (١).
وهذا يدلّ على ان الرواية بالمعنى تؤدي الى حصول اختلافات ومنازعات بين المسلمين ، فلِمَ يا تُرى لم يُدوَّن الحديث في زمن الرسول صلىاللهعليهوآله ، حتى لا يضطر الرواة بعد مرور فترات طويلة على وفاة رسول الله ، الى تدوين الحديث بالمعنى ، وما يؤدي إليه من تعارضات في الأحكام الفقهية واحتقانات بين الفقهاء ، وبالتالي نشوب خلافات بين أتباعهم.
كما ان قول ابن تيمية بأن الجهل أو الظلم يحرّف معنى إحدى المقالتين ، بحيث يصبح المعنيان مختلفين بعد أن كانا متفقين ، فهو اعتراف ضمني بأن هذا الاختلاف غير مشروع أو سائغ أبداً ، لأن أحد القولين وهو الذي يحمل المعنى الصحيح فهو على حق ، أما القول الآخر الذي يدمعه الجهل والظلم ، فهو يتضمن المعنى الخاطئ ، وهو بالتالي يصبح قولاً سقيماً ومرفوضاً ، ثم ما هو الدليل على ان الطريقتين مشروعتان حتى يكون الذين سلكوهما مُحقّين؟ إذ لو كانت الطريقتان مشروعتين ، لما كان هذا الاختلاف والتنازع والطعن بين الذين تبنّوهما؟ إذ لابد وأن تكون إحدى الطريقتين ، مشكوكاً في أمرها ، بل ربما تكون الطريقتان في الأصل ، غير مشروعتين تماماً.
ويرى علماء من الجمهور المسلم ، بأن الخلاف قد عُرض للأئمة من عدّة أوجه ، وجميع وجوه الخلاف متولد منها ، حيث يستعرض البطليوسي هذه الوجوه التي تدلّ على ان سبب الاختلاف هو في الحقيقة يأتي أولاً من اختلاف الرؤية حول الحديث النبوي ، وهي ناجمة عن خطأ المجتهد في تشخيص الحديث النبوي وليس للارادة الالهية
__________________
(١) الخلاف المُعتبر ـ علي الشبل ـ الفاروق ـ السنة ٢٢ ـ العدد ٨٧.
