وآداب سلفنا الصالح ، لا يمنع اختلاف الآراء من التقاء القلوب (١). وكنا قد قرأنا كيف ان أصحاب المذاهب الكبار ، كانوا يكفّر أحدهم الآخر ويطعن في إيمانه وتقواه ويلعنه أمام تلامذته ، ويُخرجه من ملّة الاسلام؟ فمن حق الاتباع والمقلّدين أن يقتدوا بأئمتهم وأصحاب مذاهبهم ، ويتوسّعوا في الاختلاف الى درجة النزاع والاصطدام وإراقة الدماء.
ويقول أحد مفكري الجمهور : لقد اتفقنا على فن الاختلاف ، وافتقدنا آدابه والالتزام بأخلاقيته ، فكان أن سقطنا فريسة التآكل الداخلي ، والتنازع الذي أورثنا هذه الحياة الفاشلة ، وأدى الى ذهاب الريح (٢).
ولقد حذّرنا الله تعالى من السقوط في علل الأديان السابقة ، وقصّ علينا تأريخهم للعبرة والحذر ، فقال : وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٣١ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣).
واعتبر الاختلاف الذي يسبب الافتراق والتمزّق ، ابتعاداً عن أي هدي للنبوة ، أو انتساب لرسولها ، حين قال تعالى : «ان الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء» ، ذلك ان اهل الكتاب لم يُؤتوا من قلّة علم وضآلة معرفة ، وانما كان هلاكهم لأنهم وظّفوا ما عندهم من علوم ومعارف للبغي بينهم ، فهل ورثنا علل أهل الكتاب بدل أن نرث الكتاب؟ وهل ورثنا البغي بدل أن نرث العلم والمعرفة ونلتزم بأخلاقهما؟ ان الاختلاف والبغي وتفريق الدين من علل أهل الكتاب التي كانت سبباً في هلاكهم ،
__________________
(١) أدب الاختلاف ١٥٠ ـ ١٥١ ـ ١٥٢.
(٢) أدب الاختلاف ٨ ـ ٩.
(٣) المصدر السابق.
