هنا وهناك وغربلتها من قبل أهل الجرح والتعديل ، وعليه فقد تمادوا في التقليد والجمود على مسائل وأحكام اتضحت مخالفتها للسُنّة النبوية ، وما جرى بعد ذلك من صراعات مريرة بين اتباع المذاهب ، في حين لو تحرّى الاتباع من الاحاديث النبوية في كتاب الصحاح والسنن ، لتقلّصت الاختلافات الفقهية الى حد بعيد.
ان الجمود والإصرار على الخطأ والتمادي فيه ، والتشبّث بالظنون لدى أتباع المذاهب الأربعة ، وصل الى درجة كبيرة من الإسفاف والعناد والمكابرة ، فبعض الناس اذا وجد حديثاً واحداً يوافق مذهبه فرح وسلّم ، وإن وجد حديثاً صحيحاً سالماً من النسخ والمعارض ، مؤيّداً لمذهب غير إمامه ، فتح له باب الاحتمالات البعيدة ، وضرب عنه الصفح ، ويلتمس لمذهب إمامه أوجُهاً من الترجيح ، مع مخالفته للنص الصريح والصحابة التابعين ، وإن عجز عن ذلك كله ، ادّعى النسخ بلا دليل ، أو الخصوصية ، وإن عجز أيضاً ، ادّعى ان إمامه اطّلع على كل مروي ، فما ترك هذا الحديث الشريف إلا وقد اطّلع على طعن فيه (١).
والتعصّب المذهبي قد اتخذ أشكالاً مختلفة ، فالبعض ينتقل من مذهب الى آخر ، ليس لدليل اكتشفه وثبت فيه ضعف المذهب الذي كان يعتنقه ، وانما لاعتبارات مزاجية ونفسية. فهذا ابن عبد الحكم ، طلب مجلس الشافعي بعد موته ، فقيل له بأن الشافعي قال بأن الربيع أحق بمجلسي ، فغضب وتخلّى عن مذهب الشافعي وتمذهب لمالك بن أنس ، وصنّف كتاباً سمّاه : «الرد على محمد بن إدريس فيما خالف فيه الكتاب والسُنّة» (٢).
__________________
(١) أضواء على السنة المحمدية ـ ابو رية : ٣٦٨.
(٢) اضواء على السنة المحمدية ـ ابو رية : ٣٤٥.
