وعندما حلّ القرن الثاني للهجرة ، بدأ التدوين ولكن بصورة محدودة ، وكان أول من دوّن الحديث النبوي بصورة مفصّلة ، الامام مالك بن أنس في كتابه الموطأ ... ثم مسند أحمد بن حنبل ، ثم ظهرت كتب أخرى ، لكن هذا التدوين جرى قبل تأليف كتب الصحاح والسنن المعتبرة ، بعد تنقيح الحديث وعرضه للجرح والتعديل ، ولذا كان الحديث النبوي في أواسط القرن الثاني ، وبالضبط في عهد أبي حنيفة ، لم يكن مغربلاً ، ولذا كان أبو حنيفة النعمان لم يطمئن إلا للحديث المشهور الذي كان يؤثره على القياس والقواعد الأخرى ، غير أنّه كان يفضّل القياس على الحديث غير المشهور ثم رأي الصحابة ثم القواعد المعروفة. أما الامام مالك فكان يفضّل الحديث الحسن وحتى المُرسل على القياس والقواعد الأخرى ، بل وان عل أهل المدينة ، كان برأيه حجّة بمستوى الحديث النبوي كما ذكرنا آنفاً ، بيد ان الامام الشافعي ، ذهب الى أبعد من ذلك في التعاطي مع الحديث والسُنّة النبوية على حساب القواعد الاصولية ، ولم يكن يثق بعمل أهل المدينة ولا يعتبره حجّة أبداً ، ثم جاء أحمد بن حنبل ووثق بالحديث النبوي الى أبعد الحدود ، ففضّل الحديث الضعيف على القياس والرأي ، بل لم يعدّ القياس والرأي والاستحسان والمصالح المرسلة حجّة ابداً.
فأبو حنيفة يحتج بالحديث الصحيح والمشهور ولا يعتبر غيره حجّة في حين يحتج به مالك ، ولا يحتج مالك بالحديث الضعيف الذي يحتج به ابن حنبل دون غيره من المذاهب الاربعة.
وعمل أهل المدينة يحتج به مالك ، احتجاجه بالحديث النبوي ، دون غيره من أصحاب المذاهب ، وهكذا من الطبيعي أن يحصل تفاوت واختلاف صارخ في فتاوى وأحكام المذاهب الاسلامية الاربعة.
والحديث يعمل به الحنفي لشهرته ، ثم يأتي الشافعي فيرفضه لضعف في سنده ،
